
#سواليف
ليست المسألة وفق قراءات مختصين بالشأن العبري ما إذا كانت إسرائيل ستصعّد في الضفة الغربية، وإنما إلى أي مستوى ستذهب بهذا التصعيد، وما إذا كان سيبقى في حدود الاغتيالات والاقتحامات والاعتقالات، أم يتحول إلى عملية عسكرية أوسع.
في قلب هذه المعادلة يقف عاملان متداخلان: ميدان فلسطيني يشهد توترًا متصاعدًا، وحسابات إسرائيلية داخلية تقترب من محطة انتخابية حاسمة.
ويرى الخبير في الشأن العبري عادل شديد أن المؤشرات الحالية تدفع باتجاه ترجيح التصعيد على التهدئة، معتبرًا أن ما يجري لا يمكن قراءته باعتباره استجابة أمنية فقط، بل ينبغي وضعه في سياق برنامج الحكومة الإسرائيلية وحسابات رئيسها بنيامين نتنياهو وشركائه.
إسرائيل تريد أن تترك شيئًا وراءها
بحسب شديد، فإن اقتراب الانتخابات، إلى جانب استطلاعات الرأي التي لا تمنح نتنياهو وشركاءه ضمانات مريحة للعودة إلى الحكم، قد يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى استغلال الفترة المقبلة لخلق “واقع جديد” في الضفة الغربية.
والفكرة كما يشرحها، لا تتعلق فقط بزيادة عدد الاقتحامات أو الاعتقالات، وإنما بتغيير البيئة الفلسطينية نفسها؛ عبر توسيع الضغط العسكري، وتصعيد اعتداءات المستوطنين، وضرب البنية التي يمكن أن تشكل قاعدة لمقاومة أكثر تنظيمًا في المستقبل. ويقول إن هذا الواقع، إذا ترسخ على الأرض، سيكون من الصعب تغييره لاحقًا.
ولا يستبعد شديد أن يصل الضغط إلى دوائر ومؤسسات السلطة الفلسطينية، في إطار مسعى أوسع لإضعاف البنية الفلسطينية، وتركها أمام حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.
الضفة ليست غزة.. وإسرائيل غيّرت قواعد اللعبة
في قراءة شديد، فإن الخطأ هو التعامل مع الضفة وفق قواعد الاشتباك التي كانت قائمة قبل سنوات.
فإسرائيل، بحسب تقديره، باتت تتعامل مع الضفة باعتبارها مجموعة من “الكانتونات والسجون”، يمكن إبقاء الفوضى داخلها ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، بحيث لا تتحول بالضرورة إلى تهديد مباشر واسع للمجتمع الإسرائيلي.
وهذا، وفق شديد، يمنح إسرائيل مساحة للمناورة: تصعيد كبير داخل الأراضي الفلسطينية، مع إبقاء كلفة هذا التصعيد على الجبهة الإسرائيلية محدودة نسبيًا.
ومن هنا تأتي أهمية الضفة وغزة في الحسابات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل صعوبة توسيع جبهات أخرى قد تكون أكثر كلفة.
عندما تضيق الخيارات الإقليمية.. تتسع مساحة الضفة
ويربط شديد ما يجري في الضفة بالحرب الإقليمية والمواجهة مع إيران، معتبرًا أن هناك اختلافًا محتملًا بين حسابات نتنياهو وشركائه وبين حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
فبينما قد يسعى نتنياهو إلى إبقاء مستوى التصعيد مرتفعًا، يرى شديد أن لدى ترامب اعتبارات أخرى تتعلق بالتهدئة، وأسعار النفط، والانتخابات النصفية الأميركية، ومسار التعامل مع إيران.
وفي حال لم يحصل نتنياهو على مساحة كافية لتوسيع المواجهة في ساحات إقليمية أخرى، فإن غزة والضفة قد تصبحان البديل الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستخدام السياسي والأمني.
الحرب التي يحتاجها نتنياهو
المسألة، بالنسبة لشديد، لا تتوقف عند الجغرافيا. فالحرب نفسها تعيد ترتيب أولويات المجتمع الإسرائيلي.
ويعتقد أن نتنياهو يدرك أن الحديث عن الأمن والحرب يعيد تقديمه بوصفه الشخصية التي تمتلك الخبرة الأكبر في مواجهة التهديدات، في وقت يمكن أن تعود فيه ملفات الفشل السياسي والأمني إلى الواجهة.
ويقول شديد: “كلما تحدث الناس عن الحرب، غاب حديث في إسرائيل عن فساد بنيامين نتنياهو وعن إخفاقه في السابع من أكتوبر”.
وبهذا المعنى، فإن التصعيد لا يؤدي وظيفة عسكرية فقط، وإنما يستطيع أن يؤدي وظيفة سياسية أيضًا: نقل النقاش من سؤال “من المسؤول؟” إلى سؤال “من يستطيع حمايتنا؟”.
هل تصبح الانتخابات نفسها هدفًا للتصعيد؟
يذهب شديد إلى أبعد من ذلك بطرحه احتمال أن يخدم التصعيد هدفًا انتخابيًا مباشرًا.
فمواجهة أمنية واسعة، تترافق مع صواريخ وعمليات ورفع حالة الطوارئ، قد تجعل إجراء الانتخابات أكثر صعوبة، أو تفتح الباب أمام تأجيلها إذا توفرت الظروف السياسية والقانونية لذلك.
ويشدد، في الوقت نفسه، على أن هذا يبقى احتمالًا تحليليًا وليس مؤشرًا على وجود قرار إسرائيلي محسوم لتعطيل الانتخابات.
لكن مجرد بقاء الانتخابات في خلفية الحسابات الإسرائيلية يضيف عاملًا جديدًا إلى المشهد الأمني.
من التحليل إلى الميدان.. مناع يقرأ إشارات التصعيد
إذا كان شديد يقرأ المشهد من زاوية الحسابات السياسية والإقليمية، فإن الخبير في الشأن العبري ياسر مناع يتوقف عند ما يحدث على الأرض، معتبرًا أن هناك مؤشرات فعلية على الاستعداد لمرحلة عسكرية أكثر حدة.
ويقول مناع إن القرار الإسرائيلي المعلن حتى الآن يتعلق برفع الجاهزية وتجهيز قيادة فرقة عسكرية نظامية إضافية، وليس بإطلاق عملية عسكرية شاملة.
لكن تجهيز قيادة فرقة كاملة، وفق قراءته، ليس إجراءً عابرًا؛ إذ يعني بناء قدرة على إدارة قوات إضافية وتنفيذ عمليات متزامنة في أكثر من منطقة.
وهنا تكمن أهمية الخطوة: إسرائيل لا تعلن الحرب، لكنها تجهز الأدوات التي تسمح لها بتوسيعها إذا قررت ذلك.
الطيران يعود إلى المشهد
ويضيف مناع أن عودة استخدام الطيران الحربي في الاغتيال الأخير في جنين تحمل دلالة أخرى.
فبعد أشهر من عدم استخدام هذا السلاح في عمليات الاغتيال بالمدينة، جاء القصف الجوي ليشير إلى استعداد إسرائيل لاستخدام مستوى أعلى من القوة.
وبالنسبة لمناع، فإن اجتماع رفع الجاهزية مع عودة الطيران لا يعني حتمية عملية شاملة، لكنه يعكس ارتفاع سقف الخيارات العسكرية المتاحة أمام الجيش الإسرائيلي.
الأعياد.. والخوف من عملية يصعب احتواؤها
ويأتي هذا التحرك، بحسب مناع، في ظل تراكم التوتر في الضفة الغربية، واقتراب الأعياد اليهودية، ومخاوف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من وقوع عمليات مسلحة يصعب احتواؤها.
وتحاول إسرائيل، وفق هذه القراءة، التحرك قبل أن تتمكن الخلايا المحلية من الانتقال من العمل المحدود إلى بنى أكثر تنظيمًا.
ويشير مناع إلى أن خطاب “منع تكرار السابع من أكتوبر” يستخدم لتبرير رفع الجاهزية وتشديد السيطرة، وحماية المستوطنات والطرق، وتعزيز الإجراءات العسكرية داخل الضفة.
ليس بالضرورة أن تحمل العملية اسمًا
وهنا يبرز سيناريو مختلف عن العمليات الإسرائيلية التقليدية. فإذا قررت إسرائيل توسيع حملتها، لا يشترط أن تعلن عن عملية عسكرية شاملة تحمل اسمًا رسميًا.
ويرجح مناع أن يكون المسار الأكثر احتمالًا هو التصعيد المتدرج: اغتيالات جوية، اقتحامات طويلة، اعتقالات واسعة، تدمير للبنية التحتية، إغلاقات وحواجز، ثم مراقبة النتائج قبل الانتقال إلى مستوى أعلى.
وفي حال لم تعلن إسرائيل عملية واسعة، فإنها تستطيع ببساطة زيادة شدة الأسلوب القائم، بحيث يصبح التصعيد واقعًا يوميًا دون نقطة بداية واضحة.
أي أن السؤال قد لا يكون: متى تبدأ العملية؟ بل: متى يصبح التصعيد القائم عملية فعلية، حتى لو لم يسمّه الاحتلال كذلك؟
الانتخابات في الخلفية.. والميدان في المقدمة
ويؤكد مناع أن الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تدخل في الحسابات، لكنها ليست التفسير الوحيد.
فهناك، بحسب قراءته، أسباب أمنية وميدانية قائمة بالفعل، فيما تستطيع الحكومة الإسرائيلية استثمارها انتخابيًا لإظهار الحزم واستعادة صورة المبادرة الأمنية بعد إخفاقات السابع من أكتوبر.
وهنا تلتقي قراءة مناع مع قراءة شديد: الميدان يوفر المبرر، والانتخابات توفر الحافز السياسي.
فإسرائيل تستطيع القول إن التصعيد ضرورة أمنية، وفي الوقت نفسه استخدام نتائجه داخل الحملة الانتخابية باعتباره دليلًا على قدرتها على المبادرة والردع.
من جنين إلى كل الضفة؟
الاختبار الحقيقي قد يكون في قدرة إسرائيل على نقل تجربة جنين إلى مناطق أخرى. فنجاح الاغتيال الجوي الأخير، من وجهة النظر الإسرائيلية، قد يشجع على استخدام الأداة نفسها في ساحات أخرى، بينما قد يؤدي رفع الجاهزية إلى عمليات متزامنة في أكثر من محافظة.
وفي المقابل، فإن اتساع العمليات قد ينتج ردودًا فلسطينية، ويفتح مساحات جديدة للمواجهة، وهو ما يجعل السيطرة على مستوى التصعيد أكثر صعوبة.
لهذا، فإن الضفة لا تقف بالضرورة أمام خيارين فقط: هدوء أو عملية شاملة.
هناك منطقة واسعة بينهما يمكن أن تتحول فيها الضفة إلى ساحة تصعيد مفتوح، تتغير حدته من يوم إلى آخر.
الخلاصة: التصعيد قد يكون سياسة لا عملية
اللافت في قراءتي شديد ومناع أن كليهما لا يتحدث عن عملية إسرائيلية شاملة باعتبارها قرارًا محسومًا. لكن كليهما يرى أن المؤشرات تدفع نحو تصعيد أكبر.
شديد يضع التصعيد في إطار مشروع سياسي أوسع: خلق وقائع جديدة، إبقاء الأمن في صدارة المجتمع الإسرائيلي، وإعطاء نتنياهو مساحة انتخابية في مواجهة خصومه.
أما مناع فيرى في رفع الجاهزية وتجهيز قيادة عسكرية إضافية وعودة الطيران إشارات عملية إلى أن إسرائيل تستعد لإمكانية رفع مستوى القوة.
وبين القراءتين، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة قد لا تحتاج فيها إسرائيل إلى إعلان حرب كي تغيّر قواعد المواجهة.
فقد يكون التصعيد المقبل بلا اسم، وبلا ساعة صفر، وبلا إعلان رسمي؛ مجرد خطوات متراكمة، تبدأ باغتيال، ثم اقتحام، ثم إغلاق، ثم اعتقالات، قبل أن يصبح الواقع الجديد نفسه هو العملية.
وفي هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، تتقاطع حسابات الأمن مع حسابات الانتخابات، وتصبح الضفة أكثر من مجرد جبهة عسكرية بالنسبة لحكومة نتنياهو: ساحة لإعادة رسم ميزان القوة على الأرض، وإعادة ترتيب المعركة السياسية داخل إسرائيل في الوقت نفسه.

