
الصوم كفارة للخطيئات – ماجد دودين
الحمد للهِ الَّذِي أتقَنَ بحكمتِهِ مَا فَطرَ وبنَى…. وشرعَ الشرائعَ رحمةً وحِكْمةً طريقاً وسنَناً…. وأمرنَا بطاعتِه لا لحَاجتِهِ بلْ لَنَا…. يغفرُ الذنوبَ لكلِّ مَنْ تابَ إلى ربَّه ودَنا…. ويُجزلُ العطَايَا لمَنْ كان مُحسناً {وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] أحْمده على فضائلهِ سِرّاً وعلَناً…. وأشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً أرْجو بها الفوزَ بدارِ النَّعيمِ والْهنَا…. وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولهُ الَّذِي رفَعَه فوقَ السماوات فدَنَا…. صَلَّى الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكر الْقائمِ بالعبادةِ راضياً بالعَنا…. الَّذِي شَرَّفه الله بقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] …. وعلى عُمرَ المجدِّ في ظهور الإِسلام فمَا ضعُف ولا ونَى…. وعلى عثمانَ الَّذِي رضيَ بالْقَدرِ وقد حلَّ في الفناءِ الفنا…. وعلى عليٍّ الْقريبِ في النَّسب وقد نال المُنى…. وعلى سائرِ آلِهِ وأصحابه الكرام الأمَنَاء…. وسلَّم تسليماً
في الحديث الذي يرويه حذيفة بن اليمان في صحيح البخاري: بيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ، إذْ قالَ: أيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في الفِتْنَةِ؟ قالَ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومَالِهِ ووَلَدِهِ وجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ والصَّدَقَةُ، والأمْرُ بالمَعروفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ قالَ: ليسَ عن هذا أسْأَلُكَ، ولَكِنِ الَّتي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قالَ: ليسَ عَلَيْكَ منها بَأْسٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ بيْنَكَ وبيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قالَ عُمَرُ: أيُكْسَرُ البَابُ أمْ يُفْتَحُ؟ قالَ: بَلْ يُكْسَرُ، قالَ عُمَرُ: إذًا لا يُغْلَقَ أبَدًا، قُلتُ: أجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قالَ: نَعَمْ، كما يَعْلَمُ أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وذلكَ أنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا ليسَ بالأغَالِيطِ. فَهِبْنَا أنْ نَسْأَلَهُ: مَنِ البَابُ؟ فأمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقالَ: مَنِ البَابُ؟ قالَ: عُمَرُ.
قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».
قال المناوي: “فتنة الرجل: أي ضلاله ومعصيته أو ما يعرض له من الشر ويدخل عليه من المكروه في أهله مما يعرض له معهم من نحو هّم وحزن…. أو شغل بهم عن كثير من الخير وتفريطه فيما يلزمه من القيام بحقهم وتأديبهم وتعليمه و” …. ماله” بأن يأخذه من غير حله ويصرفه في غير حله ووجهه أو بأن يشغله لفرط محبته له عن كثير من الخيرات.
وفتنته في” نفسه” بالركون إلى شهواتها ونحو ذلك…. وفتنته في” ولده” بفرط محبته والشغل به عن المطلوبات الشرعية…. وفي” جاره” بنحو حسد وفخر ومزاحمة في حق وإهمال في تعهد.
ونبه بالأربع على ما سواها.” يكفرها” أي الفتنة المتصلة بما ذكر” الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” لأن الحسنات يذهبن السيئات…. ونبه به على ما عداها…. فنبه بالصلاة والصوم على العبادة الفعلية…. وبالصدقة على المالية…. وبالأمر والنهي على القولية…. فهي أصول المكفرات والمراد الصغائر فقط.
ويحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما بعدها يكفر المذكورات كلها لا كل واحد منها!
وخص الرجل لأنه غالباً صاحب الحكم في داره وأهله…. وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “صوم يوم عرفة كفارة السنة الماضية والسنة المستقبلة.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “صيام يوم عرفة…. إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده….
وصيام يوم عاشوراء…. إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله.
قال المناوي: “أي أرجو منه. قال ابن الأثير: الاحتساب على الله البدار إلى طلب الأجر وتحصيله باستعمال أنواع البر.
قال الطيبي: وكان القياس: أرجو من الله فوضع محله أحتسب وعدّاه بعلى التي للوجوب على سبيل الوعد مبالغة في تحقق حصوله.
“….يكفر السنة التي قبله” : يعني الصغائر المكتسبة فيها.
“….والسنة التي بعده” بمعنى أنه تعالى يحفظه أن يذنب فيها…. أو يعطى من الثواب ما يكون كفارة لذنوبها…. أو يكفرها حقيقة ولو وقع فيها ويكون المكفِّر مقدماً على المكفَّر.
قال صاحب العدة: وذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات.
ومن فضائل الصيام تشريف الله والملائكة له بالصلاة عليه قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين.
وعن عبد الله بن عمرو موقوفاً: “الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة
فإنْ كان الله وملائكته يصلون على المتسحرين…. والسحور عون على الصيام فما ظنك بالصيام؟
فأكرم بها من عبادة يصلي الله عليك بها والملأ الأعلى.
يا هذا: تبيع صلاة الله والملائكة بشبع وتخمة…. ولا تصوم عن لقمة!!
“إنما يريد العاقل أن يأكل ليحيا لا أن يحيا ليأكل”.
وإن خير المطاعم ما استُخدِمت…. وإن شرها ما خُدمت…. وهل عالج الحجامة وفصد الفصاد إلا خارج عن حد الاقتصاد
ومن فضائل الصيام أنه جنة من النار
قال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “الصوم جُنَّة من عذاب الله”.
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ” الصوم جُنَّة يستجن بها العبد من النار”.
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “الصيام جُنَّة من النار…. كجنة أحدكم من القتال”.
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “الصيام جُنَّة وحصن حصين من النار”
وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار…. وهو لي وأنا أجزي به”.
قال المناوي: “وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح وفي الآخرة من النار”.
وقال: “الصوم جنة من عذاب الله فليس للنار عليه سبيل كما لا سبيل لها على مواضع الوضوء لأن الصوم يغمر البدن كله فهو جنة لجميعه برحمة الله من النار”.
وحسبك بهذا فضلاً للصائم.
وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “الصيام جنة…. وهو حصن من حصون المؤمن…. وكل عمل لصاحبه إلا الصيام…. يقول الله: الصيام لي…. وأنا أجزي به”.
قال المناوي: “أجزي به صاحبه جزاء كثيراً…. وأتولى الجزاء عليه بنفسي فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره لأنه سرّ بيني وبين عبدي…. لأنه لما كف نفسه عن شهواتها جوزي بتولي الله سبحانه إحسانه”.
ومن فضائل الصوم في سبيل الله أنه يباعد من النار:
قال ابن الجوزي: “إذا أطلق ذكر سبيل الله…. فالمراد به الجهاد”.
وقال القرطبي: سبيل الله: طاعة الله…. فالمراد من صام قاصداً وجه الله.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ما هو أعم من ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: العرف الأكثر استعماله في الجهاد…. فإنْ حُمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين…. ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف كانت والأول أقرب ومن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصوم في حقه أفضل ليجمع بين الفضيلتين.
* وقال ملا عليّ القاريء في “مرقات المفاتيح: في سبيل الله: أي في الجهاد أو في طريق الحج أو العمرة أو طلب العلم أو ابتغاء مرضاة الله”.
* وقال المناوي في “فيض القدير”: في سبيل الله أي لله ولوجهه أو في الغزو أو الحج.
قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “صيام المرء في سبيل الله يبعده من جهنم مسيرة سبعين عاماً”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله…. باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام”.
* وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله…. باعد الله منه جهنم سبعين عاماً”.
* وقال رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “لا يصوم يوماً عبد في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:” من صام يوماً في سبيل الله…. باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله تعالى إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً”.
* قال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله بَعَد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً
قال المناوي: “أي نجاه منها أو عجل إخراجه منها قبل أوان الاستحقاق…. عبر عنه بطريق التمثيل ليكون أبلغ لأن من كان مبعداً عن عدوه بهذا القدر لا يصل إليه البتّة”.
“…. سبعين خريفاً”: سنة أي نحّاه وباعده منها مسافة تقطع في سبعين سنة إذ كل ما مرّ خريف انقضت سنة…. فهو من إطلاق اسم البعض على الكل…. وذكر الخريف من ذكر الجزء وإرادة الكل…. وخصه دون غيره من الفصول لأنه وقت بلوغ الثمار وحصول سعة العيش…. وذلك لأنه تحمّل مشقة الصوم ومشقة الغزو فاستحق هذا التشريف”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً”.
* وقال – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض”.
إذا كانت أعزّ أمنية لآخر أهل النار خروجاً منها -وهو من يخرج منها حبواً- صرف وجهه عن النار قبل الجنة لا يسأل مولاه غير ذلك…. فكيف إذا باعد الله وجهه وجعل بينه وبين النار خندقاً مسافة خمسمائة عام هذا بصيام يوم واحد نفلاً…. فما ظنك بصيام شهر رمضان وهو الفريضة؟!
- بتصرّف واختصار من كتاب ( أسرار المحبين في رمضان) للشيخ محمد يعقوب


