ساكونة المدرسة / عطر الزعبي

ساكونة المدرسة
لم تدرك أمي في تلك اللحظة أن هذه الكلمة ستنتج هذا القدر من الهرج والمرج على مائدة الغداء، وأن التندر بالموضوع سيستمر إلى ما بعد مهرجان الجلي اليومي، فقد حاولت جاهدة إقناعنا أنها لا تذكر تفاصيل القصة ولا تدرك سبب اهتمامنا واستغرابنا من الموضوع. أما أنا فلطالما كنت مفتونة بكل ما يتعلق بالماضي، ولا أقتنع بقدر المعلومات التي يزودونني بها وأطمع بمزيد يشفي غليلي، بل وأحياناً أتطفل على القصة وأتخيل نفسي جزءاً منها.
بدأ الحديث عندما كانت تستذكر أمي لسبب أو لآخر تفاصيل شارع بيتهم القديم والمدرسة الابتدائية في آخر الشارع، حين ذكرت بعفوية أن هذه المدرسة التي درست فيها صفوفها الأولى كان فيها “ساكونة”. لجهلي وحداثتي سألتها ما هي الساكونة؟ أجابتني “يعني بسم الله جنية ماما”، وشرعت تكمل القصة كأنه عادي. استوقفتها أنا ومن كان على المائدة “يعني عادي ماما المدرسة فيها جن وبتداومو فيها وانتو ابتدائي؟”، “اه يا ماما مهو ما كانش في غيرها، ساكونة ولا غيره هاد الموجود”، في هذه اللحظة استذكرت حديثا دار بيني وبين صديقاتي حول اختيار المدرسة المناسبة لأطفالهن، وحين أقول مدرسة فأنا أقصد الروضة الأولى التي تتمحور حول كرات المعجون والأرقام وفن طلب الذهاب إلى الحمام في الوقت المناسب، هذا كل ما أذكره من ذهابي للروضة، كان هذا الحديث بمثابة صفعة قوية لي تخبرني أنني لا أنتمي لهذا العالم الذي قد يدفع فيه الأهالي ما يقارب 4,000 دينار أردني قسط السنة للروضة الأولى التي سيتعلم فيها الأطفال أصول تشكيل المعجون والجوانب الخفية للرقم 7 والمزايا الماورائية للألوان الثلاثة الأساسية. أعتبر نفسي محظوظة لكوني درست في مدرسة خاصة، ولا أنكر أنني حظيت بنسبة لا بأس بها من الرعاية والأنشطة اللامنهجية والتي لم تتضمن الباليه ولله الحمد، ولكن الوضع (وقد أكون مخطئة) كان مقبول ومنطقي، ولم تكن أقساط الروضة الأولى تقارب ما دفعته بالجامعة ككل. فلماذا أريد أن أسجل أولادي بمدرسة “تقشطني” الي فوقي والي تحتي ويطلع حكيهم ممطوط ولسانهم ألوق؟
نرجع للوالدة القديرة، أمي درست في إربد بمدارس حكومية طبعاً، كانت أمها أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكنها كانت متفوقة طوال سنواتها الدراسية، درست هندسة مدنية في جامعة القاهرة في السبعينات، وكانت من أوائل المهندسات في الأردن. تمتلك أمي ثقافة وسعة اطلاع تجعلني أشعر بالحرج من نفسي ونحن جيل لا يفصل بينه وبين محيط من المعلومات إلا كبسة زر. أمي درست ابتدائي في مدرسة كانوا يقولوا فيها ساكونة وستي ما راحت اعترضت وساورتها المخاوف من تأثير هذا الموضوع على القدرات الإدراكية والنمو النفسي لابنتها. أتمنى أن يكون الجيل القادم من أبناء صديقاتي على قدر الذكاء والثقافة التي تتمتع بهما أمي، ولكني وللأمانة لست متفائلة.

عطر الزعبي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى