
“الشارقة تحقق الإبداع”
الإمارات- الشارقة-احمد خضر
لم يعد الشاعر الغريب غريباً في الشارقة.. فلقد غص مسرح قصر الثقافة بالمئات الذين جاءوا من كل حدب وصوب، للمشاركة في مهرجان الشارقة للشعر العربي، في دورته الخامسة عشرة.
وكان على رأس هذا الحشد من الشعراء والمبدعين صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة الذي قام بتكريم اثنين من الشعراء فازا بجائزة المهرجان لهذه الدورة، كما استمع الحضور إلى قصائد في منتهى الروعة والشفافية والعمق، ويحتوي دلائل وإسقاطات على الواقع العربي المأزوم اجتماعياً وسياسياً.
لقد خرجت الشارقة عن مألوف العصر الحديث ، الذي وصلت فيه الغربة الاجتماعية لدى الشاعر إلى درجات مرتفعة ، وانعدم حبل التواصل بين الأنا والآخر ، وفي ذلك لفظ للتجربة الإبداعية التي اعتبرت إلى زمن قريب تستوعب تجارب الآخرين ، لنتذكر مفهوم الالتزام عند سارتر ، وكيف كان المبدع لسان حال الجماعة ، ونتذكر التجارب السابقة للشعر ، فمن كثرة تعلق الناس بالشعراء ، فإن قبيلة بني تغلب مثلاً انشغلت كلها بحفظ قصيدة لشاعرها عمرو بن كلثوم مما دفع أحد الشعراء لهجاء تلك القبيلة حيث قال :
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
لقد كان الشاعر العربي القديم لسان حال القبيله ، حافظاً لأمجادها ، وكانت القبيلة لا تهنأ إلا بنبوغ شاعر فيها ، أما اليوم فإن الجمهور لا ينفعل مع التجربة الإبداعية ، مما جعل الشاعر يعيش غربة قاتلة دفعت علماء النفس خصوصاً فرويد إلى القول بأن الفنان هو الذي يصاب بمرض العصاب ، وهو مرض نفسي يصيب الشاعر ويتحكم بالتجربة الإبداعية .
أما عند بارت فلكي تكون فناناً يجب أن تخرق العادة ، ولذلك فإن هذا الناقد الفرنسي الكبير يتميز بأنه كان شاذاً ، وهذا الشذوذ الذي كسر به القاعدة اعتبره علامة إبداعية لأنهم اعتقدوا في مرحلة الحداثة والإبداع أن الفنان منفصل عن الجماعة ، وهذه تنطبق على ما يسمى ( نظرية الفن للفن ) التي صعدت بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث انتشرت المذاهب العبثية والسريالية وغيرها ، فلقد اعتبرت هذه المدرسة أن الفن هو عملية التميز عن الجماعة ، وهذه ارتبطت بعلم النفس التحليلي ، ووصلت إلى مستوى أن الشذوذ باعتباره حالة فردية داخل سلوك عام قد يكون من مصادر الإبداع ، ومنها الشذوذ اللغوي عند السريالية أي الشعر يقابله الغموض ، بمعنى أنه عندما لا يفهم القارىء شيئاً مما يقوله الشاعر يتحقق الإبداع .
لكن الاتجاه الواقعي في الشعر حيث يلتزم الشاعر بقضايا المجتمع وتطلعات الناس ، فإن فشل الشاعر في أداء وظيفته داخل المجتمعات وبالتالي موت التجربة الشعرية يعود إلى عدة أسباب منها :
انصراف الجمهور عن الشعر واتهام الشعراء بأنهم مبالغون ، وأن قولهم يتعارض مع ظروف الحياة الواقعية ، وضعف مستوى الشاعر نفسه ، والسبب الأهم أننا مجتمعات لا تميل إلى القراءة إذا أجيز لنا أن نسوق هذا الاتهام .
بالنسبة للحكم الأول على الشعراء بأنهم عاطفيون مغرقون في الخيال ، فلا شك أن هذا ما يميزهم عن الآخرين ، ويضعهم في مستوى إنساني رفيع ومتقدم ، لأنهم أكثر قدرة على الحلم والرؤيا إلى المستقبل ، وما على المجتمع في مثل هذه الحالة إلا أن يمتلك الإرادة والتصميم على ترجمة أحلام الشعراء وتنبؤاتهم إلى واقع جديد ، فالفنان والعالم والرياضي ، كلهم تجسيد للخيال المبحر في الواقع ، أو الواقع الموشى بالخيال ، وصوره الإبداعيِة ، ويمثلون النموذج الإنساني المتميز في المجتمع ، ولا تعارض أبداً من الناحية المنطقية بين هذه الأطراف ، إذ أن كثيراً من الحقائق العلمية تبدو أشبه بالخيال ، ومن يحاول أن يضع العلم في اتجاه معاكس للشعر ، كمن يبحث عن تناقض بين الدين والحياة ، ويحكم على المجتمع بأنه خال من المبادىء والقيم ويسير بدون هدف .
لكن لماذا لا يقرأ الشعر ؟
لماذا يحكم البعض على الشعر العاطفي بأنه ساقط ومبتذل ، وعلى الشعر الذي يلتزم بالقضايا الجماهيرية أنه يفتقد إلى السحر والجاذبية ويرهق الأعصاب ؟
هل نحن نفتقد إلى الحرارة الإنسانية التي تكاد تنحصر في نخبة المجتمع من المبدعين ، أما الغالبية العظمى فإنها في معزل عما يقال ، أو يعرض ، لذلك فإن غربة الفكر والثقافة تنبع أساساً من مقولة أننا شعوب غير قارئة.
هل استطاع الذين يتطاولون على الشعر الحديث ، ويتهمونه بشتى الأوصاف والتهم مثلاً ، أن يستوعبوا شيئاً من الشعر القديم ؟ من يحفظ منهم عشرة أبيات من الشعر لطرفة بن العبد أو المتنبي أو حتى لأمير الشعراء أحمد شوقي ؟
إن غربة الشاعر داخل مجتمع يستخف بالثقافة ، وينصرف عنها لأمور شكلية في الحياة تبدو مسألة حتمية ، إذ لا بد من وجود القارىء أولاً ، وقبل كل شيء حتى يولد المتذوق ، فاللغة التي يكتب فيها الشعر ، هي اللغة العربية الفصحى التي تمتاز بالجمال والجاذبية والسلاسة والعمق ، ولا يكتب على قشور الموز حتى نلقيه في أكياس القمامة ، أما إذا لم يقرأ الشاعرأقرب المقربين إليه ، وهو شيء خاص داخل إطار عام ، فإن غربته تكون مضاعفة .. أليس كذلك ؟

