هل تأثير الكورونا على التعليم دائم أم مؤقت  ؟

هل تأثير الكورونا على التعليم دائم أم مؤقت 

د.ذوقان عبيدات

تبارى الكثير من المفكرين والباحثين والخبراء في تقديم آرائهم حول التغيرات التي استحدثتها أزمة كورونا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية على المستويات العالمية والمحلية والفردية. فمنهم من قال بالتأثير المؤقت ومنهم من قال بالتأثير الدائم، وهكذا مما يذكّر بمقولة إنك تستطيع استقدام خبراء يدعمون رأيك، كما يستطيع معارضوك استخدام خبراء آخرين أو حتى نفس خبرائك لدعم آرائهم. إذن سأبتعد عن رأي الخبراء وأسير وفق المنطق والعقل والتحليل والتوقع وليس لأحد أن يعيب هذا المنهج لعدم إمكان إدخال كثير من الأمور الى المختبر والتجريب. وسأتحدث عن مجالات التعليم المختلفة ومدى تأثيرها بكورونا.

  1. أحدثت كورونا نقلة واسعة بل طفرة في إثارة أسئلة في مختلف مجالات تعلم المناهج والكتب وطرق التدريس وأهمية المدرسة كمكان، ووظائف المنزل كمكان، وعلاقات وقيم هذه النقلة ما كان لها أن تتم دون معارضة تذكر لولا هذه الأزمة. فمن المعلوم أن التغير التربوي بطيء جداً ومحارب جداً من فئات عديدة منتقدة تحكم قيم المجتمع وسلوكه بل وروحه!!
  2. وعلى الرغم من أننا لم نكن مستعدين لهذه التغييرات، فقد قبلها الناس تحت ضغط الضرورة، لكنها خيار مهم للتربويين الذين يعتقدون أن المدرسة ليست هي المكان الملائم أو الأكثر ملاءمة للتعلم، ويعتقدون أنها من النظام الصناعي البائد: مدخلات وعمليات ومخرجات، فالمدرسة المصنع انتهى دورها، ولذلك فإن للتغييرات الحالية والمقبلة داعمين يرونها تطويراً مستهدفاً، كما ان معارضيها سيقبلون بها خوفاً من “كورنات” مستقبلية.
  3. كما كشف توجه النظام التعليمي في عدد من أقطار العالم أن معلمينا وثقافتنا ليسوا مستعدين وأيضاً ليسوا مؤهلين للبدء في عملية التغيير.

فهناك معيقات تتعلق بمهارات المعلمين وبتوافر الأجهزة والاستعداد الثقافي والنفسي وأن تغييرات مادية ونفسية عديدة يجب أن نستعد لها.

  • كما كشفت الأزمة أن التدريس التقليدي المباشر للمعلمين في مدارسهم ما زال تلقيناً حيث يحتكر المعلم كل وقت الحصة لشرح المادة الدراسية، وأن الطلبة في العادة لا يكادون يشاركون إلاّ في إثارة سؤال أو إجابة لسؤال. ولذلك أقول إن الانتقال من التدريس التقليدي إلى أي شكل آخر لا يوجد به أي مخاطر لإن ترك أي تدريس غير مؤثر هو بحد ذاته تطور أو تحسن. فلا نغامر إذن حين نترك تدريساً تقليدياً أو مدرسة تقليدية.

(1)

المتغيرات التي أحدثتها أزمة كورونا في شكل التعليم.

لقد أحدثت الأزمة انتقالات في مجالات متعددة سواء في المدرسة أو المنزل أو طريقة التفكير أو الثقافة أو الاتجاهات. ويمكن عرض هذه الانتقالات فيما يأتي:

الانتقال من التدريس المباشر إلى التدريس عن بعد.
الانتقال من الصف المزدحم إلى التعلم المنفرد أو المستقل.
الانتقال من معلمين عديدين إلى معلم واحد يدرس ألافاً.
الانتقال من معلم يدرس صفاً واحداً إلى معلم واحد يدرس مئات الصفوف.

وقد رافقت هذه الانتقالات، تغيرات ومشاكل وربما تطويرات وتحسينات.

فالمعلمون الجيدون هم من قدموا دروساً في الفيديو والتلفزيون وبذلك تخلصنا جزئياً من مشكلات نقص المعلمين الجيدين، كما نكون قد تخلصنا من الصف المزدحم بما يتطلبه ذلك من وقت ضائع على إدارة الصف وضبط سلوك الطلبة، حيث انتقلت هذه المهمة إلى الأهل وبقي وقت الحصة كاملاً للمعلم، حيث كان معروفاً أن 5-10 دقائق من وقت الحصة يضيع في ضبط الصف، وإن الاستمرار في نتائج ما حدث فإننا قد نتخلص من جميع المدارس المستأجرة وحتى بعض غير المستأجرة، ونجد لدينا فائضاً في الأبنية المدرسية التي يمكن أن نحولها إلى مختبرات وساحات وملاعب وقاعات نشاط كل هذه التغييرات سوف تتجه بنا إلى ما نسميه تكافؤ فرص التعليم، حيث تلغى فوارق عديدة كان يستحيل إلغاؤها. فكل طالب سيحصل على معلم جيد وبيئة أفضل من مدرسته.

(2)

مناهج التعليم

إن التعليم عن بعد يحتاج مناهج مختلفة أيضاً، فقد كشفت الأزمة الحالية عن أن موضوعات دراسية مهمة أهملناها أو أهملت في كل العالم. إن مناهج التعليم لم تنجح في تعليمنا كيف نغسل أيدينا أو نحافظ على صحتنا ولكنها علمتنا حروف الجر وحركات النجوم وأنواع الرمال والتداوي بالخرافات، ولذلك صحونا على سؤال، ما الذي يجب أن نتعلمه بطريقة نظامية في المدرسة؟ ولماذا نضيع وقت الطلبة في تعلم ما لا يعلّمنا شيئاً!! كما أن التعليم عن بعد يجب أن لا يعتمد شكل المناهج القديمة وتفاصيلها ومتطلباتها. ولذلك فإن الانتقالات في المناهج كما أتوقعها يمكن أن تكون كما يأتي:

من مناهج حقائق وتفاصيل ومعلومات إلى مناهج مفاهيم ومهارات وتفسيرات.
من مناهج مقطوعة الصلة بالحياة إلى مناهج نظرية تطبيقية عملية.
من مناهج تاريخية سابقة إلى خبرات حاضرة ومستقبلية.
من مناهج أهملت صحة الجسد إلى مناهج الوعي الصحي أولاً.
من مناهج دجنّت الضمير الأخلاقي إلى مناهج عززت هذا الضمير.

إن هذه النقلات _من وجهة نظري_ سوف تتم، حتى لو كانت التغيرات الناتجة عن كورونا مؤقتة، إن على أحدٍ ما أو جهة ما أن تفكير مستقبلياً ويسأل عن جدوى ما تعلمناه من أفكار وأحداث ماضية أو نشاطات اختفت في زمن الكورونا؛ وعلى أحد ما أن يسأل لماذا ازدهرت الفنون في أثناء الأزمة ولم نر وجهاً رياضياً واحداً؟ ولماذا تقدم الأطباء لقيادة المجتمع بدلاً من السياسيين؟ ولماذا صار المختصون الطيبون هم نجوم الشاشات والساحات واختفى المعلقون والمحللون الذين لا يحللون حتى ولا يحرمون!!

صحيح أن المجتمع يحتاج إلى الجميع، لكن الأولويات كانت مقلوبة، فمن على ظهور الخيل على حد قول عرار ليسوا الفرسان!!

ولذلك لا بد من التوقع أن من الضروري إعادة النظر في الخطط الدراسية والإجابة هنا ليست فردية، مع أن أي مفكر يستطيع أن يقدم وجهة نظر. لكن قد يبدو من الواضح أن موضوعات جديدة سوف تحتل مكانة مهمة في المنهاج ما بعد كورونا مثل قضايا الوعي الصحي والمسؤولية الفردية والمجتمعية، والعلاقات والتفاعلات في أثناء الأزمات والتوترات وإدارة الذات في أثناء العزلة.

لقد رسخ المنهاج عبر آلاف السنين: القراءة والكتاب والحساب ودروساً غيرها. وانتقلت مواد عديدة من مجال المعرفة العادية إلى مجال ” ما لا يجوز النقاش حوله”![ لكن الآن وكما قبلت سائر الأنظمة التعليمية والمجتمعات في العالم التعليم عن بعد، فإنها قد تقبل إعادة نظر جذرية في بعض موضوعات المنهاج، وعلينا أن نتذكر جميعاً أن من أنقذنا من أزمة كورونا أو من تصدى لإنقاذنا هم علماء “البكتريولوجيا” و”الفيروسولوجيا” و”البيولوجيا” و”الفزيولوجيا” و”المختبراتولوجيا” و”الصيدلوجيا” وليس أحرف العطف والأدب العباسي وحروب داحس والغبراء وغيرها من المعارف!! طبعاً لا أحد ينكر أهمية هذه المواد لكن إذا جعلنا الحياة هدفنا، فإن علينا أن نفكر في أولويات جديدة.

(3)

تغيرات في أهمية المكان

كانت المدرسة وما زالت هي المؤسسة الشرعية الوحيدة للتعلم. ولم تتعرض المدرسة إلى نقد شديد إلا في نهاية القرن العشرين حيث طالب مربون عديدون وأهالٍ كثيرون بإصلاح المدرسة، واقتنع بعضهم عن إرسال أبنائهم إلى المدارس، فالتعلم يمكن أن يتم خارجها، وتتذكر قولاً منسوباً إلى برناردشو أو جان جاك روسو: اضطررت لقطع تعليمي من أجل الالتحاق بالمدرسة فالمدرسة لم تعد _على الأقل_ المكان الملائم الوحيد للتعلم.

إذن التعلم هو من الطبيعة كما قال “روسو” أو هو الحياة كما قال “جون ديوي”. واليوم، وبعد العولمة، وتضاؤل المسافات لم يعد الوطن وطناً والبيت بيتاً والعمل مكتباً ولا حتى الملعب ملعباً حيث يمكن أن نعيش في أي وطن يحبنا ونلعب أيضاً دون ملعب أو في أي مكان.

على ضوء ذلك قد نشهد تغيرات في وظائف كل مكان: البيت، المدرسة، المكتب والملعب. لنتذكر كيف خصصنا جزءاً من البيت مكتباً وآخر مكتبة وجزءاً للأدوات الرياضية، ومساحة للبيانو، ومساحة للخزن، واستبدلنا الكنبة بالسرير وغيرنا من وظائف البيت كمكان، فهل تفرض علينا تغيرات ما بعد الأزمة تغيرات أخرى في البيت ليناسب عملية التعلم؟

فعملية التعلم تحتاج أدوات تعلم.

وعملية التعلم تحتاج بيئة تعلم ملائمة

وعملية التعلم تحتاج صخباً اجتماعياً احياناً، وعملاً جمعياً أحياناً.

وعملية التعلم تحتاج هدوءاً

وعملية التعلم تحتاج تجريباً.

قد تقوم التكنولوجيا بكل هذه الوظائف أو معظمها ولذلك فمن المتوقع أن يكون البيت مكاناً للتعلم أكثر ملاءمة من المدرسة، وإذا كانت هذه تغيرات ستحدث تغيرات في شكل البيت وتقسيماته ووظائفه، فإن علينا أن نفكر في ملايين الأماكن التي اسميناها مدارس!!  ماذا ستعمل إذا نقلنا التعلم إلى البيت؟ أو ما التغيرات التي ستحدث فيها لتناسب مهامها الجديدة!

هذا ما قد يكون موضوعاً لمقالة أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى