
الحاجز الوهمي ….
واحدة من أحلى التجارب التي عشتها وأمرها ، هي رعاية أطفال الروضة ، في سن الرابعة والخامسة .
لم يكن بالوارد ولا ضمن خطتي ذلك العمل ، ولكن ثمة ظرف خاص يتعلق بتأمين أقساط الجامعة ، وتبعا للضرورة .
حلاوة التجربة هي تلك الطفولة المغرقة في البراءة ، ذكاؤهم الحاد ، ونشاطهم الزائد ، وذاكرتهم البيضاء ، كتربة صالحة للغراس ، تغرس ما يحلو لك .
تحفظهم يحفظون ، تراقصهم يرقصون ، تباكيهم يتباكون، تستغل سذاجتهم يستغلون ، مرحلة ولا أحلى !!
مرارة التجربة …استوقفتني اليوم …أوربما حدث ما جعلني أتمثلها ….
إنها أقصوصة الحاجز الوهمي …
أذكر أن هناك حصة كانت للترفيه ، في باحة الروضة العاب ، وثمة تراب ترسو عليه أرجوحة ، وكنت احتاج قسطا من الراحة ، وأحيانا فسحة لمراجعة امتحان .
ريثما تنتهي الفرصة ولضمان سلامة الأطفال ، هناك خدعة كنت أفعلها …
أجمع أطفالي في وسط الساحة ، أجلسهم ، ثم آخذ عودا من الخشب وأرسم حولهم دائرة في التراب …دائرة وهمية …ثم أقول بنبرة حازمة : ممنوع أن يتعدى أحدكم هذه الدائرة …أرقبهم من بعيد ، فيدهشونني !!!
فجأة تتحول طاقاتهم الزائدة وطفولتهم المتوثبة إلى صمت مطبق ، ويغرقون في في حالة من الجمود ….
يلتزمون فلا يتعدون الدائرة ، أضحك في سري ، على سذاجتهم وبراءتهم ….
تمر السنون وتنقضي …وأكاد أنسى… حتى اكتشف أن أحدهم يضرب حولي دائرة وهمية ، وانني أعيش خلف حاجز كذاك …
أشعر بالمرارة ، وأرثي لسذاجتي ، واليوم أرى طيف أطفالي يلاحقني …يعاتبني ..فاهدؤو ا …يا صغاري ..لقد انتقم لكم الله مني : واحدة بواحدة ..فسامحوني ..
فأنا لم أكن أعلم أن سجنا مؤلما قد نعيشه من صنع الخيال ..وأننا قد نقضي أجمل أوقاتنا في الدائرة الوهمية.

