
الثنائي الأميركي القادم: براجماتية هيلاري وعقيدة أوباما
ماذا حملت مقابلة الرئيس الأمريكي مع مجلة The Atlantic ذا اتلنتيك؟ هل هناك اختلاف بين باراك اوباما وبين دونالد ترامب فيما يتعلق بدور السعودية والدول المحافظة في المنطقة؟ هل يمكن الاعتماد على خدمات اوباما لاحقا ؟ وهل تنسحب اميركا من المنطقة أم تقوم بتامينها, بواسطة قوى تابعة لها ؟ وهل تستمر عقيدة اوباما أم تنتهي برحيله ؟ هل آراء اوباما سخصية أم خلاصة لرؤيا مطبخ القرار الأميركي؟
في الحقيقة لم تحمل مقابلة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الصحفي جيفري جولدبيرغ, لحساب مجلة ذا اتلنتيك شيئا جديدا.
ما قاله اوباما ليس الا تدوير لتصريحات سابقة, أدلى بها, منذ أن جلس في البيت الابيض, خصوصا ما تعلق بالسياسة الخارجية لادارته.
ففي سوريا فضل النيء بالنفس, ورفض الانجرار خلف دعوات انظمة المنطقة الحليفة لضربها, ورفض العودة إلى العراق بعدما سحب قواته منها, وأبقى موقفه من السعودية ومصر ودول الخليج وتركيا رماديا مرتكزا على تصرفات هذه الدول اليومية التي لا تسير وفق خطط استراتجية حقيقية, خصوصا وأن هذه الدول أصبحت بمثابة عبىء استراتيجي على السياسة الامريكية, وقد آن الأوان لفك الارتباط بها, لعدم أهميتها وجدوى استمراريتها سيما وأنها فشلت في إنتاج حالة ديمقراطية واحدة, يمكن البناء عليها, هذا التوجه لا يسقط من ايجاد بديل يخضع هذه الدول له, حتى وان تمثل في دعم وتقوية وتحصين مضلة الايرانية والتي تمثل قوة أعيد تفعيلها, للقيام بادوار مطلوبة منها.
هنا, الرئيس الاميركي متأثر جدا بطروحات رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق زبغينو بريجنسكي الذي يرى أن الإبقاء على السيطرة الاميركية يتطلب منها خلق شرطة إقليمية ( قوى ) تابعة لها, للتفرغ للتهديد والتحدي القادم من المنظومة الصينية.
غالبية كتابنا, اعتمدوا للأسف على ما قاله مارتن انديك, في التعقيب على المقابلة, فخرجت سطورهم, وكأنها مبتورة, ترى بعين انديك وخلفيته للمنطقة, لكنها, لا تحفل بآرائهم فيما قال الرئيس الاميركي.
كما أن الرئيس هنا, لا يختلف عن دونالد ترامب, والذي يرى أن السعودية ودول الخليج بمثابة عبىء على واشنطن يتوجب تحديده واستغلاله مقابل استمراريته, فكلاهما يدعوان إلى فك الارتباط مع السعودية ومنطقة الشرق الأوسط برمتها, لما لها من تأثير على اميركا.
من الاهمية بمكان, رؤية زوال الفروق بين الرئيس الديمقراطي، والمرشح الجمهوري، عندما يتعلق الامر بمصالح الولايات المتحدة العليا, التي تحددها مراكز صنع القرار ومؤسسات البحث والتفكير, لا التي يحددها الرئيس الاميركي, كما ترى انظمتنا, وكتابها!
مبدا أو عقيدة اوباما ليست شخصية كما يراها البعض, بل هي وطنية, تنم عن بعد استراتيجي مرحلي خطر تبنته مراكز القرار الاميركي, وما الرئيس إلا وسيلة تنفيذية له, وثمار ما انتجه, وربما يمتد لسنوات قادمة.
خصوصا ما تعلق بمنطقة الشرق الاوسط والملفات المتفجرة – قوس الأزمات الذي يتوجب إنهاء شده – ورفع الغطاء عنها, لصالح قوى ناشئة تؤمن بالرؤيا الاميركية وتساعد وتساهم في استعادة واشنطن لروحها الحقيقية في العالم, وإعادة إنتاج ادواتها وقوتها المتعددة المهام, بوسائل ناعمة غير مكلفة بشريا او ماديا.
نعم عقيدة اوباما نوعية ومتعددة ومترابطة, ترفض الاشتباك مع الآخرين مهما كانت اهميتهم, ودورهم, عقيدة ترى ان ثمة إمكانية لاستعادة الدور الأميركي والتحكم به بهدوء.
البعض في منطقتنا غضب, وشن حملة على الرجل لأنه عبر بصراحة عن رأي – لا رأي صناع القرار الذي يعمل وفق رؤى و خطط ومناهج مدروسة – شخصي في عدد من الزعماء, لكن مؤسساتنا الإعلامية والأمنية وكتابنا, رفضوا ذلك لأنه لا يتوافق مع رؤيتهم. كما أن آراء اوباما في الزعماء يمكن اعتبارها شخصية, لكن آراءه في الملفات الدولية, تعبير واضح عما وصل له مراكز القرار, إلا أن تركيز اعلامنا, وكتابنا, كان على ما قله بحق الملوك والزعماء, لا على ما قاله بشأن السياسة الاميركية القادمة
لكن, ماذا لو مدح الرئيس الزعماء؟ ماذا لو أخذ بنصيحتهم وقصف سوريا ؟ ماذا لو دعم ايدلوجية السعودية وتركيا المتشددة ؟ ماذا لو استمع للنصائح المتسارعة لوزير خارجية الإمارات محمد بن زايد ؟ ماذا لو رفض توقيع وتبريد الخلافات مع ايران ؟ حتما من المؤكد أن الرحل سيجد تشجيعا, وترحيبا ودعما من أنظمة المنطقة !
لكنه لم يفعل, لايمانه أن الملفات قد تتطور بحيث لا يمكن التحكم بآثار براكينها وحممها, ووحل مستنقعاتها, واحقاد حكامها.
دور قادم
الانتخابات الأمريكية على الأبواب, يدعم أوباما المرشحة المتوقعة للحزب الديمقراطي ووزيرة خارجيته السابقة هيلاري كلينتون.
مؤاخرا تحول أوباما الى محامي للدفاع عنها في أكثر من مناسبة.
هنا يمكن طرح السؤال التالي : ما سر التنسيق الغريب بين أوباما وهيلاري؟ يا اللهي, أيكون لأوباما دورا في إدارة هيلاري كلينتون القادمة, إن هي وصلت إلى سدة الرئاسة ؟
هذه الاتفاق نجح سابقا في روسيا بوتين و ميديديف, وتركيا أردوغان أوغلو. أيمكن فعل ذلك في اميركا ؟
دستوريا يحق للرئيس – المواطن – اشغال أي منصب في الإدارة الأمريكية بعد إنتهاء فترة رئاسته, عدا الترشح لكرسي نائب الرئيس, لارتباط الموقع بالإنتخابات الرئاسية.
في مناسبات عدة سألت هيلاري عن سياسة أوباما وعقيدته, خصوصا ما تعلق بالسياسة الخارجية, غالبا كانت إجاباتها مشجعة ولصالحه, ما ينطبق على هيلاري, ينطبق على أوباما الداعم الأكبر لحملتها.
لا بل عندما سألت هيلاري هل من الممكن الإبقاء والأخذ بعقيدة أوباما أن كانت سيدة البيت الأبيض ؟ أجابت هيلاري نعم, أنني أمل ذلك, هذا يعني بشكل أو بآخر سواء كان أوباما من ضمن طاقمها أم لم يكن, فإن هيلاري ليست إلا امتداد لعقيدته واستمرار لها.
أما لضمان هذه الاستمرارية, ربما تلجأ هيلاري للاستعانة, بالرئيس الحالي ليكون وزيرا لخارجيتها, أو مستشارا لمجلس الأمن القومي مثلا.
من الأهمية بمكان, عدم الإلتفات إلى المنصب كمحدد لخطى الانسان في الغرب. فالرئيس يمكن أن يتحول إلى مدرس في جامعة مرموقة, أو باحث في مركز دراسات, أو طبيب في مستشفى, أو مهندس أو مدير في شركة, دون خجل أو تردد .
ماذا لو طبق السيناريو اميركيا ؟
يرى البعض أوباما فاشل في السياسة الخارجية, بشكل متسرع, إذ بنو أراهم على الآثار والنتائج قصيرة المدى, لكنهم تفاجوا عندما بدأت المشاريع تثمر ايجابيا, بمساعدة بعض القوى, مثل روسيا في سوريا, وإيران في افغانستان والعراق, والسعودية في مصر, ايران, كوبا.
المؤسف حقا, أن تختصر مقابلة اوباما والتي جاءت في أكثر من 80 صفحة, في رأي الرجل بملوك ورؤساء وأمراء المنطقة, دون التفكير في الأسباب الحقيقية التي قادته إلى تكوين رؤيته الصريحة عنهم, وهل هي نتيجة تسرع وعدم وضوح الرؤيا لدى هؤلاء وعدم صدقهم وخبرتهم, أم لانها تعبير صادق عن أزماتهم النفسية واحقادهم البينية الدفينة, وعدم جدوى دعمهم.
الخلاصة: عقيدة اوباما والتي يعتقد البعض بقرب رحيلها, ليست إلا مشروع سياسي مشغول بعناية للإدارة الاميركية – كلينتون – لأبد ان يعتمد عليه الرئيس القادم.
مشروع لإعادة ترميم وأعمار الحلم الأميركي, دون الدخول في حروب إرضاء للحلفاء, أو إشعالا للمشاكل, حتى وإن لم يعجب ذلك أنظمة المنطقة وقادتها, التي استشعرت بقرب رفع الغطاء الحمائي عنها.
#خالدعياصرة



