اعتصامات موازية / د . خالد غرايبة

اعتصامات موازية
تابعت كما تابع الكثيرون قضية الاحتجاجات على رفع رسوم البرنامج الموازي والدراسات العليا في الجامعة الاردنية.

اعتقد ان المسألة لا يتحملها رئيس جامعة قام برفع الرسوم من أجل سد عجز في موازنة جامعته بل تتحملها سياسات التعليم العالي في الاردن على مدى العشرين سنة الماضية في استحداث البرنامج الموازي الذي اصبح بموجبه مطلوبا من الجامعة الحكومية تدبير امورها المالية بشكل ذاتي عن طريق قبول عدد كبير من الطلبة باسعار عالية في برنامج لا يخضع فيه القبول سوى للقدرة المالية للطالب.

لقد ادى اعتماد التعليم العالي على “قاعدة الاستثناءات” ومنها الموازي الى تراجع كبير في مخرجاته وتحوله عن الاهداف التي نشأ من اجلها ذلك ان زيادة اعداد الطلبة في بعض التخصصات عن الطاقة الاستيعابية لها ادى الى انحدار في مستوى التعليم، وهذه حقيقة واقعه يشهد بها كل من يعمل في قطاع التعليم العالي في الاردن. هذا بالاضافة الى غياب العدالة في الحصول على مقعد جامعي لدى افراد المجتمع الذين هم دستوريا متساوون في الحقوق.

وقد ادى الاعتماد على البرنامج الموازي في تمويل ميزانيات الجامعات ايضا الى تخبط في التخطيط الاستراتيجي للجامعات (ان وجد) اذ إن الجامعة الحكومية اصبحت تخطط لمواردها بنفس اسلوب الشركات الاهلية في الوقت الذي يُطلب منها ان تقدم خدماتها للمجتمع باسعار اقل من التكلفة للبرامج العادية واحيانا قبول الطلبة ذوي الاستثناءات مجانا.

كما ان اعتماد الجامعة الحكومية على مدخولات متذبذبة من البرنامج الموازي ادى الى تفاوت دخول الجامعات المختلفة وتفاوت رواتب اكاديمييها في الوقت الذي تخضع جميعها لنفس المعايير وتؤدي جميعها نفس الاهداف. هذا فضلا عن تمركز الغالبية من الطلبة في جامعات المراكز مما ادى الى ضغط كبير على بنيتها التحتية في الوقت الذي تعاني جامعات الاطراف من ضعف مواردها المالية بسبب عدم توفر دخل كافي لتشغيلها من البرامج الموازية.

وعليه فانني اعتقد ان التعليم العالي الحكومي يحتاج الى مراجعه اساسية لأهدافه وسياساته واستراتيجياته من اجل اخراجه من مأزقه الحالي بناء على ثلاثة مبادئ اساسية: اولها ان انحدار مستوى التعليم والبحث العلمي يجب ان يتوقف لأن استمرار الانحدار سيؤدي الى خسائر مادية كبيرة على الدخل القومي، وثانيها هو ضرورة ضمان العدالة في الحصول على مقعد جامعي لجميع فئات المجتمع لأن غياب العداله معناه اختلال توازن المجتمع، وثالثها ان التبعات المالية للجامعة الحكومية الناتجة من توفير التعليم العالي بأسعار اقل من كلفته الحقيقية او توفير المقاعد يجب ان تتحمل مسؤوليتها الحكومة مع ضمان استقلالية الجامعات في نفس الوقت.

ولذلك فانني اعتقد انه يتوجب على الحكومة وقف جميع الاستثناءات بما فيها الموازي واعتماد مبدأ التنافس في القبول كمبدأ وحيد وتحويل جميع الاستثناءات الى اعفاءات تتحملها الحكومة في دفع الرسوم الجامعية لفئات المجتمع المستحقة لذلك بعد قبولها بالتنافس، مع التوسع في برامج المنح والقروض لاصحاب الحاجة من الطلبة.

على ان ذلك يجب أن يصاحبه رفع طفيف و تدريجي للرسوم العادية من اجل توفير الدخل اللازم للجامعات الذي يضمن استمرارها بالتشارك مع الدعم الحكومي ودعم القطاع الخاص وربما ايضا الدعم الشعبي المتمثل بضريبة دينار الجامعة التي فُرضت على المواطنين وتوقفت الحكومة عن ايصالها للجامعات منذ اكثر من عشرين عاماً. هذا بالاضافة الى تحفيز الجامعات لتصبح منتجة من خلال استغلال طاقتها الاكاديمية في الانتاج والاستثمار والاستشارات للقطاعات الاقتصادية المختلفة.

اعتقد ان الحلول اعلاه في بال الكثيرين ولكن يبدو انه لا تتوفر الرغبة او الشجاعة عند أي من اصحاب القرار لوضعها موضع التنفيذ كونها قرارات تمس فئات قليلة ومتنفذة من المجتمع الاردني. ولذلك فعندما تصمت الحكومات عن ايجاد حلول جذرية للمشاكل المزمنة في قطاع التعليم العالي فيجب ان لا تستهجن قيام الطلبة واهاليهم بالاعتصام لوقف استنزاف اقتصاديات بيوتهم من قبل التعليم الجامعي الذي هو حق مشروع لكل مواطن يجد في نفسه القدرة على التعلم؛ فلو كان الحصول على مقعد جامعي يتم باعطاء فرصة متكافئة للجميع لما اشتكى احد.

قد يقول قائل ان هناك دوافع سياسية وراء الاحتجاجات ولكني اعتقد ان شعباً يطالب بالتعليم مهما كانت دوافعة لهو شعب مكافح يستحق الاحترام ويستحق أن تُسمع شكواه لأن في هذا العالم دولا اخرى “تترجى” شعوبها منذ عقود طويله للحصول على الدرجات العلمية لتتمكن من احلالهم محل العمالة الاجنبية وتمكنهم من اخذ زمام المبادرة في بناء اوطانهم ولم يتأتى لها ذلك الى الآن.

ودمتم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى