
أي إسلام نريد !؟
هذا سؤال يطرحه في العادة من يعتقدون أن الإسلام غير قادر على تقديم الحلول لمشكلاتنا الراهنة ، وبعضهم يبلغ به العداء لفكرة استلهام الحلول من الدين شأوا بعيدا ، لدرجة أنه يعتبره سبب المشكلة .
من يسألك هذا السؤال – عادة – لا يملك معرفة حقيقية بجوهر الإسلام ، لأنه لو امتلك شيئا يسيرا منها ، لعرف أنه واحد غير متعدد الأنماط ، وهو حامل منشيءٌ لسلوكات محددة وليس مجرد ظواهر سلوكية ، وهو بناء لشخصية الفرد يرتكز على قاعدة إيمانية صلبة فلا تميد الأرض من تحته مهما ثَقُل وعظُم ، ولا يميل البناء مهما اعتلى وأصبح باسقا لأن ارتفاعه مرتبط بتوسع القاعدة وترسخها .
هذا هو المبدأ الذي يعتمده الإسلام لإعداد الناس لتحمل مسؤولية إعمار الأرض بسلام وتعاون ، من أٌقلهم شأنا وأدناهم وظيفة ، إلى أعظمهم مهمة و أرفعهم دورا .
مشكلة من يجادل في هذه المسألة انه يخلط متعمدا بين واقع التطبيق وبين فلسفة المبدأ ، فهو عندما لا يجد أية مثلبة في الدين ، تجده قد عبس وبسر ثم أدبر واستكبر ، وجاءك بالسؤال الإستنكاري المعتاد : هل تريد تطبيق إسلام داعش أم التكفيريين أم الوهابيين أم الشيعة .!؟ .
طبعا يهدف من هذا الى إظهار التناقض بين أتباع الدين لدرجة التناحر فيما بينهم ، لكن الإجابة المفحمة التي تسكته هي : عندما تروم شرب الماء عذبا فراتا ، لماذا تذهب بعيدا في البحث عنه في القنوات والبرك ، بينما دونك النبع الصافي الذي لم تلمسه الأيدي ولم تصبه العكورة ؟ .
مصدر الإسلام واضح جلي لكل ذي عقل ، وتشريعاته وأحكامة مدونة في كتاب لا يأتيه الباطل ولا يناله تحريف .
يعود إليك قائلا : الإسلام مبدأ صحيح لا شية فيه لكن من يطبقونه يفسرونه وفق مصالحهم فيسيئون له فينصرف الناس عنه ، فترد عليه : إذن بدل أن تعرض عنه ، طبِّقهُ بالطريقةِ الصحيحة فتنال مرادك ، سيقول : ذلك يحتاج رجالا بمواصفات عمر بن الخطاب وخالد ابن الوليد ، فتجيبه أولئك الرجال كانوا عاديين لكن الإسلام صنع منهم زعماء وقادة ومفكرين ، بما نفخ فيهم من جذوة العزيمة وعلو الهمة ، فهو صنعهم ورفع من شأنهم لأنهم تمثلوه مبدءا وعقيدة فانتصروا به ونصروه .
الإسلام مصدر لكل القيم الجميلة ، وأحكامه منسجمة مع هذه القيم ، لذلك لا يمكن أن لا تكون متوافقة مع الحاجات الإنسانية ، ولا يمكن أن تتعارض مع تقدمه وارتقائه ، بل هو كالمنطاد يمكنه أن يرفعك الى الأعلى إنما إن التزمت بشروطه وهي أن تملأه بالهواء الساخن (الإيمان ) فهو يرتفع بمقدار سخونته ويهبط بمقدار برودته .
في كل عصر تتولد حاجات للإنسان جديدة ، قد تكون مختلفة عن احتياجاته سابقا ، وهي مرتبطة بتطوره الفكري والمعرفي المضطرد ، ولما كان الإسلام يكتنز بداخله كل ما تحتاجه البشرية على مدى تطورها وإلى نهاية الحياة ، كونه كتاب الخالق الذي يحتوي على تعليمات استخدام هذه الآلة المعقدة التركيب ( الإنسان ) ويحتوي أيضا على متطلبات صيانتها وحسن تشغيلها ، من أجل الأداء ا لأمثل ، ومن ذا الذي يعرف ذلك أكثر من الصانع ( الخالق ) !؟
لذا فإن المجتهدين مطالبون باستخراج هذه المكتنزات وحسب المرحلة الزمنية ، وإجراء المطابقة اللازمة مع مستجدات المعرفة البشرية ، وهنا تنبع الحاجة للعلماء والمفكرين الذين يمكنهم إدراك مقاصد التشريع وتحديد ضرورات المرحلة لإنتاج النظام السياسي الإقتصادي المجتمعي الأمثل .
ذلك ما نحتاجه فعلا ، وليس مجرد استنساخ لمراحل زمنية كانت مناسبة لعصرها ونجحت في الإرتقاء بالمجتمع ، فعلى سبيل المثال : بيت المال ليس خروجا على السلف الصالح أن نسميه الخزينة العامة ، ولا هو تجديف على الدين أن نسمي العسس رجال أمن .. الخ ، بل أن الدستور يجب أن يكون عقدا مكتوبا به نصوص واضحة محكمة تضمن العلاقة بين الحاكم والمواطنين ، ولا يكفي القول أن القرآن دستورنا ، القرآن مصدر الدساتير عبر الأزمنة ولكن في كل عصر يشتق منه دستور مدني فيه أمور تفصيلية معاصرة .
وأخيرا يجب التأكيد أن الدولة في الإسلام ليست دينية ، فلا دور سياسيا لإمام المسجد أو المفتي ، والمواطنون من مسلمين وغيرهم سواء في الحقوق والواجبات ، درجات التفاضل الإيماني ( التقوى ) يعود البت فيها الى الخالق عز وجل يوم القيامة ، ولا تملك السلطة صلاحية الحكم على الناس بموجبها .
هذا هو الإسلام هو للحياة ولسعادة الإنسان ، ولهذا نريده .
