إخلاء مراكز الإيواء الحكومية في غزة.. بين الرواية الرسمية ومخاوف النازحين

#سواليف

يثير الحديث المتصاعد عن إخلاء مراكز الإيواء الحكومية في قطاع غزة ونقل آلاف النازحين إلى مواقع بديلة حالة من القلق والترقب بين الأسر التي وجدت في المدارس والمرافق الحكومية ملاذًا اضطراريًا بعد فقدان منازلها خلال الحرب. فبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الخطوة تأتي ضمن ترتيبات تهدف إلى إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية والخدماتية، يخشى النازحون أن تتحول إلى موجة نزوح جديدة تزيد من معاناتهم المستمرة.

وخلال الأيام الأخيرة، تداولت أوساط شعبية ووسائل إعلام محلية معلومات حول بدء إجراءات لإخلاء عدد من المدارس والمقار الحكومية المستخدمة كمراكز إيواء، تمهيدًا لاستئناف عمل المؤسسات التعليمية والخدماتية.

وتؤكد الجهات الحكومية أن أي عملية إخلاء ستتم وفق ترتيبات منظمة تضمن توفير بدائل مناسبة للنازحين وعدم تركهم دون مأوى.

إلا أن هذه التطمينات لم تنجح في تبديد المخاوف داخل مراكز الإيواء، حيث يعيش عشرات الآلاف من النازحين أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة، ويعتمدون على ما توفره هذه المراكز من حد أدنى من الحماية والخدمات الأساسية.

ويرى كثيرون أن الانتقال إلى مواقع جديدة قد يعني فقدان ما تمكنوا من تحقيقه خلال الأشهر الماضية من استقرار نسبي، رغم هشاشته.

ويقول النازح أدهم صالح إن أكثر ما يثير قلقهم هو غياب المعلومات الواضحة بشأن طبيعة المواقع البديلة ومستوى الخدمات المتوافرة فيها، إلى جانب المخاوف من الاكتظاظ ونقص المياه والخدمات الصحية، وهي مشكلات تعاني منها بالفعل معظم مراكز الإيواء في القطاع.

وأضاف في حديثه لـ”قدس برس” أن تدمير الاحتلال لمنازلهم، ووقوع أراضيهم ضمن ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، يجعل العودة إليها أو العيش فيها أمرًا مستحيلًا، ما يعمق أزمة السكن ويجعل فكرة إخلاء المراكز الحكومية أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق.

وتابع: “إذا غادرنا أماكن الإيواء التي استقررنا فيها نسبيًا، فسنضطر إلى خوض معركة البقاء من جديد، والبدء من الصفر لتوفير أبسط متطلبات الحياة، وربما لا نستطيع ذلك”.

وتساءل صالح: “هل حُلّت جميع مشكلات غزة ولم يتبقَّ سوى أزمة التعليم وإخلاء المقار الحكومية وخلق أزمة جديدة للنازحين؟”.

ويعيش النازح منير البنا، المقيم في أحد المراكز الحكومية بحي الصفطاوي شمالي القطاع، المخاوف ذاتها. فقد منزله المكون من أربعة طوابق، ويعيش حاليًا مع أفراد أسرته وعائلات أبنائه داخل فصلين دراسيين، محاولين التكيف مع واقع فرضته الحرب.

وأكد البنا أن استكمال المسيرة التعليمية هدف مهم وضروري، لكنه شدد على ضرورة ألا يكون ذلك على حساب تشريد النازحين.

وقال لـ”قدس برس”: “نعيش حالة من الخوف والقلق، فإذا تم إخلاء المراكز الحكومية فقد نجد أنفسنا في الشارع دون مأوى يحمي نساءنا وأطفالنا”.

وأضاف أن أي مواقع بديلة يجب أن توفر احتياجات العائلات الأساسية، بما في ذلك دورات المياه، ومياه الشرب والاستخدام اليومي، ونقاط لشحن الهواتف، ومساحات كافية تتيح للأسر ممارسة شؤونها الحياتية بشكل مقبول.

وتتزايد هذه المخاوف في ظل أزمة السكن الخانقة التي تعصف بقطاع غزة، بعدما دمرت الحرب أحياءً سكنية واسعة وأخرجت مئات آلاف الوحدات السكنية من الخدمة. وبالنسبة إلى كثير من العائلات، لم تعد العودة إلى المنازل خيارًا متاحًا، ما يجعل مراكز الإيواء الملاذ الوحيد المتبقي لها.

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن استمرار إشغال المدارس والمقار الحكومية يعيق استئناف العملية التعليمية وتقديم الخدمات الإدارية، وترى أن إعادة تشغيل هذه المرافق تمثل ضرورة ملحة في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية والخدمية في القطاع.

وفي هذا السياق، أكد القائم بأعمال وزارة الأشغال العامة والإسكان، محمد عبود، أن الوزارة حريصة على توفير بيئة بديلة كريمة ولائقة للنازحين دون الإضرار بهم.

وقال عبود لـ”قدس برس” إن الوزارة تعمل على توفير ظروف معيشية مناسبة تتوافق مع احتياجات النازحين، بما يضمن الحفاظ على حقوق المواطنين وكرامتهم خلال هذه المرحلة الحساسة.

وأضاف أن بيان الوزارة تعرض لتحريف وتفسيرات غير دقيقة من جهات تسعى إلى إضعاف الجبهة الداخلية وزعزعة الاستقرار وبث الخوف بين المواطنين.

ودعا عبود المواطنين إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، وعدم الانجرار وراء الشائعات.

وشدد على أنه لن يتم إخلاء أي مقر أو مركز تعليمي قبل توفير مكان مناسب للنازحين، وفق إجراءات مدروسة وبالتوافق الكامل معهم.

وأضاف: “نضع مصلحة المواطن والنازح في مقدمة أولوياتنا، وما نقوم به ليس مجرد إجراء إداري، بل عملية نقل مسؤولة تقوم على توفير بدائل لائقة تضمن بيئة معيشية تحفظ كرامة المواطنين، ومجهزة بالخدمات الأساسية كافة في المواقع البديلة والمخيمات المحدثة التي أُعدت خصيصًا لهذا الغرض”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى