
فرح مرقه: متى احتل الأردن القدس؟ سؤال اسرائيلي برسم اجابة عريب الرنتاوي.. حين ينسى السعوديون “خيبر” جولدا مئير ويصدّرون عبد الحميد حكيم.. عادل الجبير و”شقلبة” الحقائق في واشنطن واليمن.. عبير الزبن “نَمِرة” على شاشة التلفزيون الرسمي..
” متى احتل الاردن القدس؟”، طبعاً هذا سؤال لن يستطيع أي عربي الاجابة عليه أو حتى تصوّره، ويمكن أن يمرّ على الشاشات الغربية دون ان يتوقف احد عنده، لولا تصدي مذيعة برنامج المسائية ديمة ترحيني للمعلومة ومطالبة الاستاذ عُريب الرنتاوي بالرد عليها ضمن ما قدمه محلل اسرائيلي من وجبة دسمة من المغالطات التاريخية على الهواء مباشرة، ليؤكد أن الاردن هو من قصّر بحق الفلسطينيين وأذاهم، وهدر حقوقهم.
الرنتاوي، أجاب بقوة عن ما تقدم به الضيف الاسرائيلي الذي بدأ مداخلته بكل غرور بالقول “اتحدث اليكم من اورشليم العاصمة التاريخية للشعب الاسرائيلي”، ثم لم يكتفِ عند هذا الحد، وذكر سلسلة متسلسلة من المغالطات التي لو لم ندرس التاريخ جيداً ولم نشهد بقاياه في ضمائر وذاكرة جداتنا، لشككتنا بمعلوماتنا.
معلوماته لم تكن فقط عن الاردن وضده، وانما عن كل العرب وتعاملهم مع القدس ذاتها وعن فلسطين كلها؛ مع العلم ان المداخلة الاسرائيلية كانت خلال 5 دقائق فقط، بينما اي حديث اخر فقد استمر لاكثر من ضعف الوقت، وهنا لن ادخل بتفاصيل الحلقة.
الاسرائيليون منذ كانوا، وهم يدسون السم في التاريخ لتأكيد انهم الحقيقة وان كل الاخرين سراب، وان دولتهم هي الاصل، وان فلسطين محض خيال، ومن هنا فلنتصور ونضع باعتبارنا انهم من الممكن ان يفعلوا اي شيء وبأي ثمن، وعلينا أن نكون حاضرين بالأدلة والبرهان أيضاً.
**
طبعاً ومن نفس المنظور، لا بد أن يشرح أحد للمحللين السعوديين، وفي مقدمتهم عبد الحميد حكيم مدير معهد أبحاث الشرق الأوسط في جدة، أن الاسرائيليين ليسوا ابدا بحاجتهم في زيادة المغالطات التاريخية، وان تبرعاتهم السخية التي تنهال على الاسرائيليين وواشنطن كلها لا تزيد هؤلاء الا سقوطاً في نظر العالم العربي الحر.
السيد حكيم تبرع على شاشة قناة الحرة الامريكية بالتأكيد على ان القدس مدينة يهودية تاريخية، وزاد في المغالاة وهو يقول ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب أحدث “صدمة إيجابية” في قراره عن القدس وستمضي بعملية السلام للامام.
في السعودية أشخاصاً أكثر حكمة من “حكيم” بالتأكيد، وهنا أتفق تماماً مع الكاتب والمحلل جمال خاشقجي وهو ينتقده علناً، خصوصاً اني حين كنت في الرياض استمعت مباشرة إلى من يقولون بملء الفم ان الاسرائيليين يتوسعون في فلسطين وعيونهم على “خيبر” فعلا وبالتالي على مكة والمدينة، منطلقين من جملة رئيسة الوزراء الاسرائيلية جولدا مئير الشهيرة “أشم رائحة خيبر”.
من هنا، قد نقترح على أي استاذ تاريخ وجغرافيا يدرّس للصف الخامس الابتدائي، ان يذكّر بعض المحللين العرب والسعوديين بصورة اساسية، ان لا “يشرحوا صدورهم” كثيرا لخارطة الطريق التطبيعية، التي وعد فيها وزير خارجية الرياض عادل الجبير على قناة فرانس 24 قبل يومين، فتشجيعها زيادة عن اللزوم لن يتيح لهم فرصة “الموت” قبل رؤية بلاد الحرمين “محتلة” بصورة أو بأخرى.. وعلى طريقة الاستاذ عبد الباري عطوان: فالأيام بيننا!..
**
طبعاً، لن استطيع الانتقال من الملف السعودي دون ان اعود لمقابلة الجبير الجدلية على شاشة فرانس 24، والتي هو فيها يتقمص تماماً الطريقة الاسرائيلية “الناجحة”- رغم كل التحفظات- في سرد المغالطات التاريخية والعلمية.
فالرجل لم يتحدث عن واشنطن كحليف جادّ في المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية فقط، ولم يؤكد ان بلاده لديها خارطة طريق تطبيعية وحسب، وانما ذهب ابعد من ذلك وهو يتحدث عن الملف اليمني، ضاربا بعرض الحائط كل التقارير الدولية لينفي “الحصار” ويؤكد ان الموانئ عاملة وان الحوثيون هم المشكلة الوحيدة في اليمن.
السعودية تتفوق على نفسها في الاونة الاخيرة في انكار الحقائق والقفز عليها و”شقلبتها” ضد كل التقارير والتحفظات الدولية، وتتحول من دولة “محافظة” الى دولة شديدة الجدل، واحيانا “الدجل”!..
**
عودة للسياق السابق، خروج المحلل السعودي المخالف للمنطق على شاشة الحرة، قابله حوار مهم على شاشة التلفزيون الاردني مع الصديقة القوية عبير الزبن، قررت فيه ان تفرغ محوراً للتاريخ والتساؤل مع ضيوفها عن تاريخ المدينة وهويتها، وتفاجئ الجميع بتركيزها على المحور المسيحي مع الاسلامي، لا بل وأكثر منه.
الزبن التي دوماً تمنحنا الشعور بالاعتزاز بوجودها على شاشة التلفزيون الاردني، وظهورها في المفاصل الحرجة كـ “نمرة”، لا تخشى الاسئلة الحرجة، كانت “تفصفص” التاريخ مع ضيوفها حتى لا تترك للتحليل المغاير موطئ قدم، وهنا مجدداً تظهر عمان كمدافعة شرسة عن حقها في الوصاية وعن الحق الفلسطيني في القدس.
الاهم، ان الزبن انطلقت بوضوح من مقولة تظلّ ترددها “ان الحرب اليوم حرب إعلام.. وان الكل مستهدف وعلينا ان نحصّن ما نقدمه بالمعلومات الدقيقة والتحليل السليم”، وهنا طبعاً انا ابصم بالعشرة.
بالمناسبة، لا بد ان اشير فعلا ان التلفزيون الرسمي الاردني تفوق على نفسه في تغطيات ملف القدس، اذ يبث بساعات مفتوحة وبصورة مكثّفة منذ قرار الرئيس الامريكي، وهنا انا ايضاً منحازة للزبن ولطريقتها في الاداء مع الاحترام لكل الزملاء ممن ساهموا في تلك التغطية الجريئة.
*كاتبة أردنية
