يقظة البركان من سباته !

يقظة البركان من سباته !

بسام الياسين

البركان احتجاج باطن الارض على ما يدور على ظهرها من فساد وظلم.عملاق اعمى هو، لا يرى امامه،و لا يُبقي ولا يذر ما يعترضه، اذا ما اشتد غضبه. ذراعه نار حارقة،بها يحرق اوراق التوت المكذوبة، المعلقة على عورات العصاة،وبها يحطم الكراسي المصنوعة من جماجم البؤساء.متلازمته طوفان جارف لم يبزه سوى طوفان نوح عليه السلام،يجرف ما تراكم في المدن من ادران مسرطنة، وما علق بها من عوالق ضارة.تراه يكنسها من اكابر مجرميها،ويتوج نفسه سيدا عليها \ب\قانون القوة .

للنار غموضها الساحر، تطلع تارة على هيئة ثعبان بركاني،و تسقط اخرى على راسه صاعقة، فتشعل مخاوفه.هي اكتشافه الاول. مثار رهبته و دهشته.هذه الشفافة الراقصة على ساقين من لهب،اثارت شغفه، فازداد ولعاً بها و اعجابا فيها.ادخلها معابده،و اقام لها الطقوس حتى لا تنطفىء حتى اصبحت نيران المجوس مثلاً على ديمومتها. اصبح الرقص حولها شعيرة وطقساً احتفالياً، لانها تعيده الى بدائيته المتوحشة. ان كانت تمتاز بيزة،فتعطي الرائي اليها الصفاء حين يتأمل فيها ساعة الخلوة بالعتمة،والانعتاق من سجن الجسد للتحليق بروحه الى اعلى وما وراء المادة، لعله يظفر باشراقة، تضيء له لغز الوجود،او خيط ضوء يقوده لفكفكة احجية الحياة المستغلقة عليه.

لما لها من فوائد وفضائل،ولما تطلقه من طاقة للتنوير،قاتل لتدجينها لاجل استحضارها متى شاء ويحملها معه اينما يشاء. فكان له ما اراد، دارت معه في اول دورة من دورات حضارته.بها طوعّ الحديد فامتطاه جواداً ذلولاً صعوداً الى اعالي الجبال وهبوطاً لقيعان الوديان، بسيارةً مريحة،وحلق في السماء طائرةً يسابق الريح ويكسر حاجز الصوت، وركب فوق الماء سفينة كانها مدينة عائمة.بها اختصر الزمن، ضيقَّ المسافة فصار العالم حارة صغيرة.

مُذاك، اصبحت النار صديقته المُقَربة،لكنها ظلت غير امينة ولا مأمونة. تجاربه معها اكدت انها غدارة.غالباً ما تعود سيرتها الاولى. تتطاول على الناس، فتحيل مدنهم، خرائب تنعق على اطلالها الغربان،وقاعاً صفصفا تعشعش في جحورها الجرذان. لذلك تبقى النار حمالة اوجه،متعددة كالمنافقين لا يؤمن جانبها.

هي النار التي خوّف بها الله اعداء الانسان والحياة.توّعدهم بجهنم .فقال :”إنها ترمي بشرر كالقصر”.شرارة بحجم قصر كبير،لاعطاء المشهد خوفا اشد للمجرمين.

نار النفط والغاز العربي مصدر الطاقة الاول في العالم، دعامة الثورة الصناعية الاوروبية،وماكينة العسكرية الامريكية.هذه الطاقة تخمرت في بطن الوطن العربي منذ الآف السنين، لكنهم نهبوها بالمجان، من انظمة هشة قابلة للكسر كالفخار. مخزوننا ” الطاقي ” تحرقه اوروبا لتضيء مدنها وتدير عجلات مصانعها وبقنابلها الذكية تهدم حواضرنا :ـ بغداد،دمشق،صنعاء،طرابلس،بيروت ناهيك فلسطين باحتلال احلالي .

في موسم الربيع،انطلقت الشعوب من قمقمها، رافضة ان تُساس كقطعان الخرفان، من لدنّ انظمة تسوس انسانها كالحيوان، اقصى ما تعطيه “عليقة من علف”.لهذا انفجرت البراكين الشعبية في كل مكان،و شقت طريقها المعاكس للانظمة من دون استئذان. تنشد الحرية،وتطالب بالعدالة الاجتماعية،والكرامة المفقودة و استعادة ثرواتها المنهوبة.فاعتصمت بالساحات العامة للاعتراف بآدميتها.

لاعجب فيما يحصل في وطننا العربي،وليس صدفة ان تمد النار السنتها لتلتهم كل ما حولها .الصدفة ليست ـ كما يظن الجهلة ـ انها منفلتة بل ان لها قوانينها.لذلك فشباب الامة،هم براكينها المتفجرة لا لنيل الاوسمة،الوزرنة،العطايا،والمكرمات انما للتضحية لاسترداد هيبة الامة . الدرس الابلغ ـ للبركان ـ اثبات ان الشعوب ليست صيصاناً داجنة،ولا اسماكاً للزينة بل براكين هاجعة تتنظر اللحظة.شعوب مكلومة،موجوعة،جائعة،حُكماً، ستُحاكم المسؤولين الذين كانوا يظنون انهم فوق القانون.فعلى هذه الارض،هُزمت الروم،وعلى تخوم فلسطين سقط التتار واندحر الفرنج الصليبيون.و ليس ببعيد زوال ول دولة الشر اسرائيل فقد ولدت وبذور فنائها في احشائها..

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق