يا إلهي كم تغيرنا! / شروق جعفر طومار

يا إلهي كم تغيرنا!
شروق جعفر طومار

يومٌ آخر يمضي، نسقطه من سلة العمر، أو نضيفه إلى سلال الخسارات، وحين ننظر إلى الخلف، لا بد أن نهمس لأنفسنا بدهشة: لكم نحن تغيرنا!
في البال كلمات رنانة لعلماء الاجتماع، يؤكدون باستمرار أن التغيير يحتاج أمدا طويلا. لكننا هذه المرة نستطيع أن نخالفهم، فالسيد كورونا جعلنا نتغير في أسابيع قليلة.
يبدو أننا تدربنا على نمطنا الحياتي الجديد خلال أسابيع الحظر الطويلة التي بقينا خلالها في بيوتنا، وبدائرة ضيقة من الاختلاط اليومي بالبشر. هو تدريب على الوحدة والاكتفاء بأقل المعارف والأنشطة وحتى الرغبات.
بالنسبة لي، اكتفيت بابني، ويبدو أنه هو الآخر اكتفى بي. صممنا برنامجنا اليومي على أشياء قليلة جدا، الصحو متأخرين، وممارسة كسل ما بعد الظهر، ومناقشات بيزنطية لملء الفراغ حول ماذا سيكون الإفطار، وهل يتوجب علينا أن نعدّ وجبة كاملة الدسم للغداء؟ وهل نتناول العشاء في المطبخ أم في الصالة؟
النقاشات كانت تمتد لأمور أكثر جدية، مثل نوعية الفيلم الذي سنتابعه بعد العشاء، أو لعبة الشدة التي سنمارسها ما بين حلقة مسلسل وأخرى. كما لا ينبغي أن أنسى نقاشاتنا حول موضوع مهم جدا، كان يخطر ببالنا في البداية دون أن نكون صريحين بطرحه على بعضنا، وهو: هل نحن بحاجة للآخرين البعيدين لكي نكون سعداء ونكمل حياتنا بسلام؟
حقيقة لم أكن أمتلك إجابة عن هذا السؤال، خصوصا أنه سؤال (جواني)، لم نجرؤ على طرحه حتى تلك اللحظة التي سألته فيها مباشرة عن الأمر. فاجأني حين أجاب بلا تردد: لسنا بحاجة إلى أي شخص آخر.
كنت على وشك بدء تحليل جوابه حين واصل الحديث شارحا افتقاده لدروس الموسيقا، ورغبته في أن يحصل سريعا على درس سباحة يعيد إليه بعض الحيوية والنشاط التي فقدها بأسابيع الكسل والضجر.
لكن الأمر الذي توقفت عنده طويلا كان حين قال إن عيد ميلاده يقترب وإنه لا يحب الاحتفال به وحيدا. ابني اكتفى بي، ولكن احتفاله معي بعيد ميلاده سيجعله وحيدا.
هل تغيرنا حقا؟
نعم كثيرا. لكننا بقينا مأسورين لمفاهيمنا الإنسانية نفسها. بقينا مأسورين لـ«الحكمة» التي أطلقها ابن خلدون، ربما ذات حجر وحظر حين قال: « الإنسان اجتماعي بطبعه». هل كان يستشرف قبل أكثر من 600 عام ما حدث معنا خلال هذا العام؟ وهل كان يدرك أننا سنرفع أيدينا مستسلمين للقرارات الصارمة التي أطلقتها الحكومة ونمتثل لها صاغرين، لكن قلوبنا لم تكترث بتلك الأمور ولا أيقنت بها؟
نحن تغيرنا كثيرا. بتنا أقل قدرة على النشاط وأكثر ميلا للكسل. نفتح شاشات التلفاز ولا نتابع حقا ما يدور عليها. نتظاهر بأننا نتابع مسلسلات وأفلاما وفي الحقيقة نحن نغرق في (جوانياتنا)، ربما نعد خساراتنا المتراكمة على مدى سنوات.
أصبحت الحواجز بيننا وبين الجار أكثر سمكا، والمكالمات مع الأصدقاء أقل حضورا. نتثاقل في الرد على الرسائل الواردة، ونتجاهل كثيرا من الواجبات المفروضة علينا والتي وجدنا بأن غيابنا عنها لن يحدث فرقا كبيرا في حياتنا.
لكننا في دخيلتنا بقينا كما نحن دائما؛ نحن الإنسان الهش الذي لن يتعلم من خيباته أبدا.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق