سفيرات البركة / محمود جبالي

سفيرات البركة

ناظرت النافذة ورأت حبات المطر المتساقطة ، تأكدت من اغلاق النافذة جيداً بما لا يسمح بدخول ريح تشرين الباردة ، وعادت الى سريرها ونفسها تحدثها سيكون خيراً هذا العام ، فمنذ زمن لم ترى غزارة هذه الامطار، اخذتها ذاكرتها الى صباحات الندى والخروج الى المزرعة بعد صلاة الفجر ، اخذتها الى الغوص بين حقول القمح التي تطاول قامتها، تنقب الارض وتنتشل تلك الاعشاب ليزدهر محصولها اكثر، وضعت كفها على خدها مما زاد تجعيدات وجهها ، امسكت مسبحتها وعادت لتسبيحها ، تمرر حبة بتسبيحة و حبة بدعوة بطول العمر لمن حولها ، اكتفت من الحياة و خزنت في ذاكرتها ما يكفي لتتكئ عليه كلما ارادت العيش في ذلك الماضي الجميل ، وضعت كأس الماء بجانب سريرها وقرأت فيه بعض الايات لترقي به روحها ، كل اخدود في وجهها حكايه وكل نظرة في الافق البعيد ذكرى ، زوج رحل و ابن غائب وسنوات تمضي للأمام و تأبى العودة للخلف ، تتذكر تل الحصاد و لم السنابل والبيدر ، تضع مسبحتها بجانبها وتلمس كفها بيدها كمن يقرأ حكاية كتبت بخط الزمن، تذكر عندما كانت شابة تقفز من حجر لحجر ، ترفع عصابة رأسها لتلمس شعرها التي حنته لها كنتها منذ يومين ، كيف كان اسوداً غزيراً كليل المسافر و كيف اضحى هزيلاً ضعيفاً كبذار الغشيم ، تقف مجدداً تذهب الى النافذة المضرجة بالمطر ، تمسح عليها لتراها تترامى في الخارج، ثم تسدل ستارتها وتعود فقد سمعت صوت حفيدها القادم ، لا بد انه سيأخذ تلك الحلوى التي خبأتها له ، تلاعبه وتضحكه وتعطيه حلواه ويرحل ، تماماً كما رحل الكثير.
تؤلمني نظرة من تقدم فيهم العمر ، فنظراتهم تنطق بكثير مما لا نسمعه ، بل يتركونا لنعيشه

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى