وقفة مع خدمة العلم ذات الحلّة الجديدة

وقفة مع خدمة العلم ذات الحلّة الجديدة
موسى العدوان

في موعد إيجازه الأسبوعي، أطل علينا دولة رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز، من خلال شاشة التلفزيون، ليبشّرنا بالقضاء على البطالة معلنا وبكل ثقة أنه : ” لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ازدياد أرقام البطالة . . وهي ظاهرة عالمية آخذة بالتفاقم في ظل استمرار جائحة كورونا “.

وعند سماعي لهذه البشرى تفاءلت خيرا، واعتقدت أن دولته قد افتتح عددا من المشاريع الاستثمارية الكبرى، وأعاد توطين الشركات الأردنية المهاجرة في البلاد، لتستوعب الشباب العاطلين عن العمل، وتؤمن مستقبلهم المعيشي في العقود القادمة.

ولكن للأسف لم يستمر تفاؤلي طويلا، بعد أن علمت أن البشرى جاءت تحت عنوان ” إعادة تفعيل خدمة العلم ” لمدة 12 شهرا، لتشمل الشباب من سن 25 – 29 سنه، مع استثناءات عديدة، لكي يجري إعدادِهم لدخول سوق العمل. ولهذا سيتم تدريبهم عسكريا لمدة 3 أشهر، تليها فترة تدريب مدني لمدة 9 أشهر في مواقع العمل.

كما جاء في الخبر أنه سيتم التركيز في التدريب، على اكتساب مهارات مهنية وفنية ورقمية وتقنية. وسيُمنح المكلف خلال التدريب العسكري راتبا بحوالي 100 دينار، وفي المرحلة الثانية سيمنح راتبا بحوالي 200 دينار. لكن هذه الفترة لن تنتج فنيين مهرة، ولن تكافح البطالة بين الشباب، أو تدر عليهم دخلا مناسبا خلال العام التدريبي.

من المعروف أن قانون خدمة العلم ارتبط بالخدمة العسكرية، ولمدة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات للدفاع عن الوطن، وتتراوح مدتها عالميا بين سنتين إلى ثلاث سنوات. ولهذا أطلق عليها ذلك الاسم، حيث يتم خلالها تأهيل الفرد للأعمال القتالية والأمنية، ثم ينضم بعدها إلى أحدى الوحدات العسكرية أو الأمنية العاملة.

وبعد إنهاء المدة المقررة لخدمته، يصبح الفرد عضوا في القوة الاحتياطية حتى عمر معين، ليكون رديفا للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية، يُستدعى إلى وحدته السابقة في وقت الطوارئ. وبما أن مفهوم الطوارئ من ناحية الحرب، أصبح غير وارد في الحسابات الحكومية المنظورة، فكان من الأولى أن يُسمى هذا العمل : ” مشروع تأهيل الشباب ” وبالكيفية التي أعلن عنها، لكي لا نشوه رمزية خدمة العلم المقدّسة.

من إيجابيات هذه الخدمة، أنها ستعود على الشباب المشمولين بها بإيجابيات عديدة منها : تعزيز ثقافة الانضباط،، المساعدة في ترسيخ الهوية الوطنية، التأكيد على أهمية الوقت، اكتساب المعلومات عن بعض المهن، قبل الوصول إلى المهارة الفنية والتقنية، لأن ذلك تحتاج إلى ممارسة طويلة.

ومن سلبياتها : أنها لا تفرز قوة احتياطية، يعرف كل فرد منها موقعه في بنية القوات المسلحة أو الأمن العام، لينظمّ إليه وقت الطوارئ. ولا تنمّي فيهم ( روح الفريق ) بصورة دقيقة، كما يصنعه الخطر والهدف المشترك في الخدمة العسكرية، بما لا يقل عن سنتين. وعلينا في هذه الحالة أن نقارن بين خدمة العلم ذات الحلّة الجديدة لدينا، وخدمة العلم التي يطبقها العدو الإسرائيلي على مواطنيه رجالا ونساء، إلاّ إذا حلمنا بأنه سيلغي أو يخفّض هذه الخدمة، مع تباشير السلام المزعوم.

إن كان دولته يعتقد أنه بهذا المشروع سيكافح البطالة التي بلغت بحدها الأدنى نسبة 23 % فأعتقد أنه أخطأ في تقديره. فهذا المشروع سيكون عنوانا لإشغال أعداد من الشباب عاما بعد آخر، بمخرجات محدودة على الجانبين رسميا وشعبيا، ثم سيطلق سراحهم في المجتمع بدون عمل إلاّ فيما ندر.

فالشخص الذي ينهى سنة التدريب، ويتوجه إلى العمل في القطاع الخاص، سيجده مشبعا بحمولته، يحاول تخفيض عدد عماله، أو تخفيض رواتبهم، وأن بعض الشركات قد أغلقت أبوابها وسرّحت موظفيها. وإذا ما حاول أي فرد منهم إقامة مشروع صغير له، فقد لا يجد سيولة نقدية بين يديه تساعده في تحقيق ذلك.

لقد أعلن بأن هذا المشروع، سيخرّج في السنة الأولى 5000 مكلف، وفي السنة الثانية 15000 مكلف، وستتواصل دفعات الخرّيجين سنويا بمثل هذا العدد أو أكثر. فأن بقي الوضع الاقتصادي بهذا الضعف، واستمر برنامج خدمة العلم على حاله، فلا أعتقد أن السوق المحلي، سيكون قادرا على استيعاب هذه الأعداد الكبيرة والمتلاحقة من الشباب، سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام.

لست خبيرا اقتصاديا لأجتراح الحلول المناسبة، ولكني أقول من وجهة نظر عامة، أن هذه الحكومة وهيئاتها الاقتصادية والاستثمارية، قد أثبت عجزها في تحسين الوضع الاقتصادي، ومكافحة البطالة في البلاد، خلال السنوات الماضية، واعتمدت على الاقتراض وفرض الضرائب على المواطنين.

هذا الوضع يستدعي تغييرا كاملا في النهج الاقتصادي، واستبدال القائمين عليه بطاقم اقتصادي من نوعية مختلفة، يحمل فكرا متجددا وعقلية اقتصادية منفتحة، تركز على القطاع الخاص، وتضع حلولا عملية تنهض بالاقتصاد الوطني، بدءا من تخفيف الضرائب، وأسعار الماء والكهرباء، على الشركات والمستثمرين، وإزالة جميع العقبات التي تعيق أعمالهم، وحمايتهم من التدخلات الخارجية.

أما من جهة القطاع العام، فعليه أن يساهم مع القطاع الخاص، بإقامة البنية التحتية في مختلف مناطق المملكة، من حيث إنشاء المدارس، والمستشفيات، والطرق، والمجمعات الصناعية، إضافة للمشاريع الصغيرة، دون مماطلة في دفع مستحقات المقاولين، الذين ينجزون مشاريعهم في الوقت المحدد. وفي الوقت نفسه، يجب على الحكومة أن تعيد النظر بجميع المشاريع الفاشلة كمشروع ( الباص السريع )، الذي مضى على بدء العمل يه ما يزيد عن 12 عاما، ولا زال العمل مستمرا به، بعد أن تسبب بتدمير الكثير من مصالح المواطنين.

وكذلك يمكن التعاون بين الحكومة ومؤسسة المتقاعدين العسكريين – بعد تطويرها – في مشروع وطني، يقوم على إنشاء وحدات صناعية، وإنشاء وحدات زراعية ( نوعية مدروسة ) على أراضي الدولة، تُروى من آبار ارتوازية أو من أنبوب مياه الديسة، لتشغّل أولئك الشباب، بإشراف مباشر من قبل الوزارات المعنية والقوات المسلحة.

وبمثل هذه المشاريع قد نتمكن من مكافحة البطالة فعليا، وليس بمشروع (خدمة علم مجزوءة )، سيكلف الدولة جهودا ومبالغ مالية كبيرة، بمخرجات لا تسمن ولا تغني من جوع.

التاريخ : 14 / 9 / 2020
١٩

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق