مظاهرات غايب فيلة !

” مظاهرات غايب فيلة ! ”
د. محمد شواقفة

في ضوء الاحتجاجات التي أمطرت صفحات الفيسبوك و ما شاهدنا من تعليقات مؤيدة ورافضة وساخطة ضاعت القضية و كانت قضية أحلام و كأنها أضغاث أحلام و تغيرت القصة و الرواية.
لا أحد ينكر أن هناك موجة كبيرة من دعاة تحرر المرأة و منحها حقوقها و مساواتها بالرجل و هذه دعوات تلاقي دعما و تأييدا مما يسمى بالمنظمات غير الحكومية و تتبناها الدول بدرجات مختلفة من القبول و التطبيق. كما أنها جمعت مؤيدين لها من شتى القطاعات و بدرجات مختلفة بما يتناسب مع الاعراف و التقاليد و أحيانا الدين و بتفاوت كبير.
الاكثر وضوحا أن المجتمع بات يتقبل مناقشة الامر و تبني اجراءات كثيرة جدا لتمكين المرأة و حمايتها و حفط كرامتها و لكن كما في كل أمر هناك من يتطرف بالطرح و تبني وجهات النظر.
فكما أن النار قد تكون شرارة صغيرة قد تكبر قليلا فتمنح لك دفئا محببا فقد تصبح نارا حامية تحرق و تدمر. و هذا أمر تحكمه ظروف كل بلد بتركيبته السكانية و بعاداته و تقاليده و ربما بشكل أكبر الدين. و هذه جميعا لا يلتزم بها الناس بنفس الدرجة أيضا. لذلك يحكم الناس في هذا الامر عندما تطفو قضية على السطح الرأي الأكثر غالبية مع وجود قوانين تضع الحدود و الشروط و ربنا تحدد سقوفا لما هو مقبول أو مرفوض.
لا يمكن لبلد مثل الاردن و اتكلم عن الشعب هنا ان يتقبل اي دعوات بقبول المثليين او العلاقات الجنسية بدون اي صفة شرعية و لو وجدت من يدعو لها و يؤيدها. و لا يمكن ان تصبح اي مطالبات بالحد من مظاهر اجتماعية يرفضها كل صاحب فطرة سليمة برفض القتل بسبب الجنس او تغيير الدين لان ذلك خلل في قوانين الولاية و الرعاية. لتصبح شماعة لتمرير الغث مع السمين.
ما حدث لاحلام بغض النظر عن الاسباب جريمة ادانها كل ذي لب و غير مهم ما يمكن طرحه من اسباب و مسببات فهذا امر منوط بالقانون و تطبيقه و لا يجوز ان يكون للعوام رأي فيه الا اذا كان واضحا و جليا ان هناك خلل في التنفيذ او التطبيق.
اعلم يقينا ان الاحتجاجات قبل يومين لم يكن كل من فيها يقر و يوافق على كل كلمة و يافطة او هتاف. لم تنظم تلك المظاهرة ان جاز التعبير عنها اغلبية شعبية لها وزن و لا تعدو كونها زوبعة في فنجان و حقيقة لا اعتقد ان لها اي اثر و يمكن تصنيف غالبية المشاركات و المشاركين بأنهم فعلا غائبو فيلة كما يقال.
في بداية التسعينيات شاركت مع زملاء لي في ما يشبه المظاهرة داخل جامعة العلوم و التكنولوجيا بمناسبة يوم الأرض. تم تعليق المحاضرات و انطلقنا نجوب الكوريدورات و نهتف و يقودنا مجموعة من الشباب لا تستطيع تصنيفهم لأي اتجاه.. حركة شعبية، فتح ، اخوان ، بعثيين …و لا اذكر كيف انتهت احد اليافطات بيدي مع زميل آخر لا اعرفه … و بصراحة لم اعرف ما كان مكتوبا عليها و انا اسير و اردد كالببغاء ما يقوله أحد الهاتفين الكبار الذي كان محمولا على الاكتاف.
عند بوابة الجامعة تجمع مجموعة صغيرة من الامن و اخبرونا بعدم السماح لنا بمغادرة حرم الجامعة تحت طائلة المسؤولية. لاحظت ان الجمع تناقص كثيرا و تقريبا لم يبق هناك سوى عشرات. بحثت بعيني عن الشاب الذي كان محمولا على الاكتاف فلم أجده .. لم يعد الهاتفون هناك و بقيت متسمرا حاملا اليافطة و طلبت من أحد الشباب أن يقرأها لي. ” القدس عربية .. أيها الخونة و العملاء ! “.
انسحبت بهدوء و ذهبت للمحاضرة و رفض الاستاذ تسجيلي حاضرا لأنني كنت متأخرا ..
و لا زلت لغاية اليوم : ” غايب فيلة “!
قصة حقيقية ….
” دبوس على الاستحمار ”

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق