مزرعة الدراويش* (1)

مزرعة الدراويش* (1)
عبدالله سمارة الزعبي

في ضيعة “البيك” مجموعة من العبيد و “القطاريز” والخدم، جلهم عاش -منذ أن ولد- وَبَالَ الألم؛ “فالبيك” امرؤٌ ظالمٌ جشعٌ نهم، لا يبقي لعبيده إلا ما أبقى الجمل للغنم، هكذا يصفه معارضوه..

مع أنه في الواقع امرؤٌ لطيف، لا يحب الظلم والحيف، ولم يرفع على أحد سوطًا أو سيف، يصفه محبوه..

ما علينا من ذلك، فالمؤكد أن في الضيعة مجموعة مزارع، ولكل مزرعة “آغا”، وتحت يد كل “آغا” “قطاريز”، وكما هو معلوم يا سادة، أن “القطروز” مختلف عن العبد المملوك، والخادم المستأجر، فهو يسبح بحمد “الآغا” ويخدمه، مقابل ما يطعمه ويشربه..

وعن بعض “القطاريز” ستكون حكايتنا، علها توصل جزءًا من رسالتنا، فيعي كل امرئٍ حجمه، ويدرك كل واحد وزنه..
**
في ليلة شتوية من العام الماضي، جلس أحد أبناء عمومة “البيك” -يدعى “الآغا” أبو صافي- مع نفر من “القطاريز”، منهم الشباب ومنهم العواجيز، وأخبرهم أن “البيك” لا يعي كثيرًا من شؤون المزرعة التي أوكلت له، ولا يدري فيم “أبو صافي” يُصرّفه..

وأن تنسيبه أضحى بموجبه يُعزل الأعوان وينصبون، يُعطون الأموال ويمنعون، يُشترى العبيد ويعتقون، يُرفع الناس ويوضعون..

ثم إلتفت لأبرز “قطاريزه” تملقًا وطاعة، وقال: وأنت يا أبا فروة، لك عندي بشرى..

ما هي يا سيدي؟! رد أبو فروة عليه متلهفًا..

إنها “آغوية” مزرعة “الدراويش”، أجابه أبو صافي بهدوء..

مزرعة “الدراويش”؟! قال أبو فروة وهو يكاد يطير من الفرح..

نعم، مزرعة “الدراويش”، أكد له أبو صافي بذات الهدوء..
**
بعد أن خرج أبو فروة من سهرة “الآغا” أبي صافي، بدأ يتخيل نفسه يسرح ويمرح على سُدة مزرعة “الدراويش”؛ فقد كانت حلمه ومطمحه، فهي مزرعة سيادية، ومن المزارع الأساس في توطيد أركان حكم “البيك”، فالذي يكون على رأسها يكون ذا حظ وافر من السيادة والمكانة..

أضف لذلك كله، أن الخدم والعبيد فيها كلهم “دراويش” وقلّ أن تجد فيهم رجلا حرّا يرفض الأوامر المهينة، والتعليمات المشينة، لا كمزرعة “الكُتّاب” أو مزرعة “البنائين” اللتين غالبًا ما تشتعلان بمطالب المزارعين فيهما، ولا يكاد “البيك” يريح رأسه من مطالب إحداهما، حتى تخرج الأخرى بمطلب جديد، واسترسل الرجل، حتى شطح الخيال به وسرح..

ثم غدا أبو فروة يفاخر أمام مقربيه، ومريديه، أنه “الآغا” القادم لمزرعة “الدراويش”، ويُغلظ الأيمان على ذلك، ويؤكد..

وكيف لا يُغلظ ويؤكد، وقد أخذ الكلمة من فم ابن عم “البيك”؟!

ولكن لحظه العاثر، قام بعض بني عمومته بالمطالبة بشيء من حقوقهم، فاعتقلهم رجال “آغا” مزرعة “الخيالة” فثار أهلهم وأشعلوا الشوارع نارًا، ولم تفلح الخيالة بقمعهم، وامتدت ثورتهم لمزارع مجاورة، فخشي “آغا” مزرعة “الخيالة” من انفلات الأمور، فلجأ مهرولا “للبيك”، ووضعه في صورة الحدث، فأمر الأخير بحله سلمًا، وصلحًا، وفوض “آغا الخيالة” و “آغا السُّواس” بذلك..
**
اجتمع “آغا السواس” مع “آغا” مزرعة “الفقراء” في جلسة مغلقة، وقال له: يا “آغا” أبو جاعد، قد علمت ما كان من أمر بني عمومتك، ولا يمكن إخراج من اعتقل منهم، والحالة هذه، لأن الأمر بيد “آغا الخيالة”، وهو رجل عنيد شديد، يريد أن يفرض الهيبة والسطوة، والأمور -كما ترى- من سيء إلى أسوأ، وأنت رجل حكيم، ومن مواضع ثقتنا، وثقة “البيك” كذلك، ولو لم تكن في هذا الموضع من الثقة، لما سُلمت “آغوية” مزرعة “الفقراء”، هي صغيرة ومحدودة نعم، لكن أولا عن آخر اسمك “آغا”..

ما المطلوب؟ قاطعه أبو جاعد..

حل المشكلة مع بني عمومتك، أجاب “آغا السواس”..

لكنه أمر مشكل إلى حد ما، وهو عمل ليس باليسير، وقد يعرضني لمواقف ليست حسنة مع بني عمومتي، قال أبو جاعد..

لأنه كذلك اخترناك له، وإن أفلحت فيه، فالبيك وعد بتسليمك مزرعة “الدراويش” !

مزرعة الدراويش ! أبشروا، أنا لها، أنا عذيقها المرجب، وجذيلها المحكك..

ختم أبو جاعد الكلام بهذه العبارة، والسرور يعلو جبينه، وسار في الأمر من فوره، ونجح في تهدئة قومه..
***
بعد أيام من انتهاء مشاكل بني عمومة أبي فروة وأبي جاعد، أجرى “البيك” تعديلا على “آغوات المزارع” وكان أبو فروة ينتظر اسمه، ففوجئ بأبي جاعد عوضًا عنه..

هل صمت أبو فروة؟! وماذا فعل بأبي جاعد دون أن يعلم الأخير؟!

هذا ما ستعرفونه في بقية الحكاية..
__________
*جميع الشخصيات الواردة هنا من وحي الخيال، والقصة لا تمت للواقع بأي صلة..

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق