مؤتمراتُ جامعاتِنا / أ . د . خليل الرفوع

مؤتمراتُ جامعاتِنا (بحوثٌ للتدويرِ وأخرى للسياحةِ )
يلحظُ المتابعُ في السنوات الأخيرة تدافعَ جامعاتنا ومراكزنا البحثية لإقامة مؤتمراتٍ وطنية أو إقليمية أو دولية تتناول قضايا مهمةً وفي طليعتها دائما الإرهابُ ، وهي مضامين تستحقُ أن يكتب فيها ويُحاضرَ عنها ويُـتـناقش حولها ؛ لأنها تتشابكُ مع الأمة كلها فكرا وسلوكا ، وما يصيب وطننا يصيب الأمة ، هي قضية خطيرة واقعًا ومستقبلا ، ومعالجتها لا تتوقفُ على عقد مؤتمر هنا أو هناك بل بممارسة فكرية سلوكية تبني مجتمعًا لا يتنازعُه الظلم والفساد والفقر والجهل ، ولو أراد أولئك الخارجون على القانون أن ينتصحوا لرُدِعوا من كتاب الله وما فيه من آياتٍ محكمات تنهى عن ترويع الناس وقتلهم ، ولا يسهدفُ هذا المقال تناولَ أسباب الإرهاب ومظاهره ونتائجه ، بل يهدف إلى استجلاء هذه المؤتمرات ونتائجها في جامعاتنا ومؤسساتنا البحثية ، فالدعوات تُرْسَلُ قبلاً إلى باحثينَ متخصصين قد قدموا الأوراقَ نفسها في مؤتمرات سابقة أي تدوير تلك الأوراق في عدة مؤتمرات فلا تُدَقَّقُ من منظمي المؤتمر ولا تُحكَّمُ ، لأن المهمَّ هو عندهم : الدعاية الإعلامية للجامعة أو للمركز البحثي بلا اهتمام بمضمون تلك الأوراق ، أقول : أوراق ( لأنها كُتِبَتْ على عَجَلٍ ) فليست بحوثًا علمية رصينةً ، والمهم هو مشاركة أسماء مشهورة لأن الهدفَ المُبَطَّنَ هو (كاريزما ) الاسم وليس الفكرة ؛ لهذا يجدُ المتابع أن جميع المشاركين يحملون الفكرةَ نفسَها، أي البحث في الظاهرة من حيث نتائجُها وليس أسبابها ، وجميع الناس يعرفون النتائج المدمرة ، والأمر الخطير هو أن المشاركين يتحاورون في قاعات مغلقةٍ مكيفة صيفًا أو مدفَّأة شتاءً، وكل مؤتمر يبدأ بكلمات إنشائية خطابية يعقبها استراحاتُ قهوة ثم ينفضُّ المدعونَ منتظرين وجَبَاتِ الغداء والجولات السياحية ، ويتحاور المشاركون في قاعات شبه خالية ، وفي أحيان يجلبُ الطلبةَ بعضُ الأكادميين المشاركين لحضور الجلسات لكنهم سرعان ما ينصرفون إذا ما غاب أساتذتهم طَرْفَةَ عينٍ ، والأصل أن المؤتمر يعقد من أجل أولئك الطلبة ، وأغلب مَنْ يشارك من خارج الأردن يأتون للترفيه والسياحة على حساب الجهات الداعية والداعمة ، وأما أكثرُ المشاركين من داخل الأردن فهم يبحثون عن مواقع سياسية أو أكاديمة أو إعلامية ، ولعل هذا ينسحب على أكثر المؤتمرات في جامعاتنا . وفي نهاية تلك المؤتمرات تحفظُ أوراقُها حينا من الزمن ثم تضيع في أدراج الجامعات أو تُـتْلف ليصار إلى دعوات جديدة .
إنه واقع مؤلم تتخبطُ فيه أغلبُ جامعاتنا ، وكان الأولى أن تتوافق فيما بينها لنتخلصَ من التكرار من الأسماء والمضامين المكرورة في ظل اللاجدوى من عقد مؤتمرات لا تخرج بأفكار يمكن تطبيقُها واقعيا إجرائيًّا وتستفيد منها الجهات الأمنية ومؤسسات الدولة المختلفة ، فهل يُـعقد في الجامعة نفسها جلسات لتقييم لتلك المؤتمرات وفرز الغث من السمين كي تُغربلَ وترسل إلى المؤسسات ذات العلاقة بدلا من نشر صور المشاركين على منصات التواصل الاجتماعي استعراضًا ومباهاة ، وللأسف أن بعضَ من يشارك لا يستطيع أن يقيم جملةً فصيحةً معبرةً دالَةً فكيف يُؤصِّلُ تنظيرًا لظواهرَ خطيرةٍ تمس الأمة في صيرورتها .
وبعدُ ، فنحن بحاجة إلى تجديد في الفكر واللغة في الدراسات الإنسانية كي تخرج من أطرها التقليدية إلى مستويات النقد العلمي الموضوعي الذي يبحث عن الحقيقة ، بحيث لا يكون تابعًا للثقافة الإعلامية السائدة ، ولو نظرنا إلى الوطن قبل عملنا وأثناءه لتخلصنا من استعراضات أكاديمية بائسة لا تنفعه بل تضره بما يُنـْفـَقُ من أموال وجهود ودعايات لا تفيق نائما ولا تُنَـبِّهُ غافلا ، فضعفُ الأوراقِ البحثية وركاكةُ أسلوبها وسطحيةُ معالجتها مُنَبِّهَاتٌ ينبغي أن تهزَّ القائمين على تلك المؤتمرات ومسؤولي وزارة التعليم العالي كي يقفوا على أطلالها متأملين ، فليست القضية كم نعقد مؤتمرا بل ماذا استفاد الوطنُ منها ، وكيف صُرِفَت أموالُ التعليم العالي وصناديقها والجهات الحكومية التي تتبرع بأموال الشعب بلا رقيب ، فأطفالُ الوطن وشبابُه أولى بها ؛ فإنشاء أكاديميات علمية أو رياضية لأطفالنا خيرٌ من كثير من مؤتمرات شكليةٍ فارغة الجوهر، لكيلا نبقى في دائرة السخرية الهزلية للشاعر ابن سودان الجَركسي في قوله معبرا عن حالاتٍ متشابهة مُتَكَوْثِرَةٍ في زمننا :
كأنَّـــنا والماءُ منْ حـولنا قـــومٌ جلوسٌ حولَهُمْ ماءُ
والأرضُ أرضٌ والسماءُ سماءُ والماءُ ماءٌ والهواءُ هواءُ
كلُّ الرجالِ على العُمُومِ مُذكَّرٌ أما النســـــاءُ فكلُّهُنَّ نساءُ

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق