ليس للبيع أو المبادلة

ليس للبيع أو المبادلة
د. هاشم غرايبه

قامت الدولة الأردنية مؤخرا بخطوة جريئة أفرحت الأمة، وهي رفض تمديد سيطرة الكيان اللقيط على منطقتين من المناطق التي استولى عليها من أراضي الأردن على مدار السنين الماضية، والتي سكتت عنها الدولة، بل هي لم تعلن رسميا ذلك الإحتلال، حتى لا تثير حفيظة مواطنيها ضد هذا الكيان العدو، لأنها تريد تمرير تقبله كجار ثم كصديق ثم كحليف!.
ما أفرح الأردنيين حقيقة، أنها أول حالة من انتصار دولتهم لكرامة الوطن منذ عام 1994، تلك الكرامة التي أهدرتها باندفاعها لتوقيع معاهدة وادي عربة المشؤومة، من غير تقدير ولا اهتمام بالمصلحة الوطنية والقومية، ولا الضوابط الشرعية، فكانت بنود المعاهدة لصالح الكيان، وتبرعت بإنهاء حالة العداء (الرسمي) من دون زوال أسبابه، كما كان هنالك مخالفة صريحة للدستور الذي لا يجيز التنازل عن شبر من أراضي الأردن ولا بأية ذريعة.
لا بد في هذه المناسبة من استذكار تاريخي لجذورها.
في أثناء الإنتداب البريطاني وفي عام 1926، وقبل أن تعلن ترتيبات الإستيلاء على فلسطين لإقامة كيان يهودي عليه، تقدم اليهودي “بنحاس روتبرغ” بفكرة إنشاء مشروع لتوليد الكهرباء في منطقة الباقورة التي تقع في الأراضي الأردنية وليس في فلسطين، وطلب شراء سبعين دونم أرض، لم تسأل الدولة (التي كانت آنذاك إمارة شرق الأردن) لماذا البيع إذ يكفي التفويض، بل زادت فباعته 3000 دونم ثم تبين فيما بعد أنها 6000، ولا أحد يعلم كيف حصل ذلك.
بطبيعة الحال لم ينفذ المشروع، لأن الكيان قام بتحويل نهر الأردن، لكن لم تستعد الأرض، ويخشى أنه لم يكن البيع الوحيد لأراضٍ أردنية الى يهود.
المريب في معاهدة وادي عربة، أنها اعترفت بملكية يهود لجزء من هذه الأراضي (حوالي 800 دونم)، قيل أن “روتنبرغ” باعها لهم، رغم أنه لا يحق له بيع الأرض لغير أردنيين، لذا فهنالك أمر خفي تم مخالفا للقانون، بدليل أنه تم توثيق ملكية اليهود في ملحق المعاهدة، حتى لايُطعن بصحة البيع، ويُخشى أن ذلك لتبقى (مسمار جحا)، لإبقاء الحرية للدخول والخروج لليهود وبحماية أردنية مجانية، ولمنع الأردن من تفويض الأراضي المسترجعة لمواطنين وإبقائها كمنطقة عسكرية بحجة منع الإحتكاك، أو تسميتها محمية طبيعية، لكي يحدد الدخول إليها من الأردنيين، فلا يطلع أحد على ما يجري فيها.
ولعل ما يعزز هذه الشكوك هو التوجه الرسمي بتغييب الأجواء الإحتفالية، وحتى المؤتمر الصحفي الذي أعلن أنه سيعقد في الباقورة ألغي، ولم يسمح للصحافة بدخول المنطقة.
إن ملكية يهود لأراض أردنية “مسمار جحا”، لا شرعية قانونية له، وهو باطل للأسباب التالية:
البيع ليهود – ان حدث حقيقة – فقد تم في سنوات ما قبل قيام الكيان، أي لم يكن هنالك ما يسمى (اسرائيل)، لذلك فلا يمكن اعتبار أولئك مواطنين فيها، ولا يحق لها اعتبارهم رعاياها.
كما أن العملية برمتها مشبوهة، لأنها لا تجيزها القوانين الأردنية التي تعاقب بالإعدام على كل من يبيع أراض لليهود.
وأنه لم يكن آنذاك تسجيل للملكيات الشخصية في دائرة أراضي الدولة في المناطق الغورية والصحراوية، وصدر قانون تسوية الأراضي والمياه عام 1952، وحتى في القرى الاردنية لم تتحول حجج امتلاك الارض الى قواشين رسمية إلا في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، لذا يجب التحقيق في إمكانية تزوير سجلات أراضي إربد لتسجيل عملية بيع غير قانونية، وبتاريخ رجعي، والتحقق من الواقعة المزعومة والشهود عليها.
واذا كانت المعاهدة قد اقرت هذا( الحق المزعوم ) لليهود فماذا عن حق مئات الآلاف من الاردنيين من أصل فلسطيني الذين اغتصبت اسرائيل بيوتهم وأملاكهم في فلسطين قبل عام ١٩٤٨، والتي ما زالوا يحتفظون بمفاتيحها وقيد ملكيتها الرسمية؟.
وماذا عن حق الدولة الاردنية ومؤسساتها في الأراضي والأبنية في الضفة الغربية وفِي القدس اثناء سنوات الوحدة بين الضفتين، لقد تحول عدد كبير من هذه الممتلكات ومنها معسكرات كانت للجيش العربي الى مستوطنات، لماذا لم يطالب المفاوض الأردني آنذاك اسرائيل بإعادة هذه الاملاك الى الاردن؟.. أو أن يشار لها بالمثل “حقوق الملكية الخاصة”!؟.
إن كان هنالك في مجلس النواب من يعتبر نفسه نائبا للوطن وحارسا للدستور فعليه أن يتابع هذه المسألة، وإلا فلا يرينا وجهه في الإنتخابات القادمة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق