كورونا بين العولمة والدولة الوطنية

كورونا بين العولمة والدولة الوطنية
د. قــدر الدغمـي

لقد اسقط فيروس كورونا اخلاقيات العولمة وعراها وكشف زيفها وانكفاء كل دولة على حالها، في حين شاهدنا في زمن سابق تراجع كيان الدولة الوطنية لصالح عولمة رأس المال، حيث تكدست ثروات البشر في البورصات العالمية وبقيت الشعوب محرومة من الخدمات الأساسية خاصة في أكثر دول العالم ثراء وثروة، وأصبحت غالبيتها عاجزة عن رعاية شؤون مواطنيها الصحية وتعاني من عدم السيطرة على مثل هذا الوباء.
من هنا يبدو أننا أمام مرحلة جديدة في بناء الدولة الوطنية بجميع أركانها، التي تقوم وتعتمد على المواطنة بشكل أساسي، وقد اثبتت جائحة وباء كورونا قدرة الدولة الوطنية على أن تنتصر في احتواء هذا الوباء والحد من انتشاره دونما دعم من أحد، واعتمدت على امكانياتها المتاحة، في المقابل نجد دولاً قوية كان يضرب فيها المثل الأعلى بالحفاظ على رفاهية مواطنيها تنهار بكامل قدراتها الاقتصادية والصحية والتكنولوجية وتتقهقر وتنهزم أمام انتشار هذا الوباء الفتاك الذي أودى بحياة الآلاف من مواطنيها، لا بل وأصبحت تستجدي دول العالم في مساعدتها.
وعلى سبيل المثال، فقد تنبهت الدولة الأردنية مبكرا لحربها ضد فيروس كورونا، واتخذت بسرعة فائقة وبحركة استباقية كافة الإجراءات الوقائية للحد من انتشار هذا الوباء الخطير، وهذا لم يأتي من فراغ بل جاءا بحكمة القيادة الواعية وبتضافر كافة الجهود الوطنية الرسمية والشعبية والذي يعبر عن قمة الولاء والانتماء لهذا الوطن، ويرسخ مفهوم بناء الدولة القوية العازمة على الصمود والنجاح والتقدم في ظل شح الامكانيات.
فقد أعاد هذا الوباء العالمي الدولة إلى مسؤولية رعية مواطنيها والاهتمام بشؤونهم، واتخاذ كافة التدابير اللازمة التي من شأنها الحد من المخاطر التي تحيط بهم، وعلى رأسها حياتهم الصحية، فالكورونا تؤكد لنا بلا شك أن دور “الدولة المعولمة” قد انتهى والتي كان روادها يتغنون لوقت قريب بهدم جميع الحواجز بين الدول، وأن يكون الإنسان في أدنى درجات سلم اهتماماتها، بدافع الجشع والهيمنة والسيطرة على مقدرات العالم، في حين نجدها قد أفرغت من مضمونها أمام أول اختبار فيروس كورونا في ضمان أمن وسلامة صحة مواطنيها.
بالتأكيد .. فيروس كورونا وجّه صفعة قوية للعولمة والرأسمالية المنفلتة التي تركز الثروات في أيدي اقلية من الناس لا تتحمل أي مسؤوليات اجتماعية، ومن ابشع صورها أنها أهملت الاهتمام بالجانب الإنساني من خلال النظام الصحي الذي دمرته مشاريع الخصخصة، وجعلته نظاما يبحث بالدرجة الأولى عن الكسب والربحية، ولا يلقي بالا للوقاية الصحية والعلاج وإنقاذ الأرواح.
على المستوى العالمي وفي المستقبل القريب، يا ترى ما هو الشكل الجديد للدولة في تعامها مع مواطنيها وعلاقاتها مع الدول الأخرى إذا ما تم القضاء على هذا الوباء بشكل نهائي .؟ وهل ستتغير قيم البشرية ومعاني الحياة في التعامل مع الازمات التي تستهدف حياة الناس وصحتهم .؟

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى