غثاء السيل

#غثاء_السيل

م. #أنس_معابرة

أثناء الجاهلية، وفي الملحمة العربية المسماة ب “حرب البسوس”؛ أقدم جساس بن مُرّة من قبيلة بكر على قتل أبن عمه كُليب بن ربيعة أبن قبيلة تغلب ملك عرب الشمال والجنوب الجبار حينها، وبعد حادثة الاغتيال تلك؛ تحرك عُدي بن ربيعة – الملقب بالمهلهل أو الزير سالم – أخو كُليب للمطالبة بدمه من قاتليه.

وبعث لأبناء عمومته القتلة بخيارات ثلاث؛ إما أن يقدموا القاتل جساس بن مُرة، أو أخوه الأكبر همام بن مُرة، أو أن يقدموا أبوهم مُرّة، وحينها اعتذر لهم مُرة عن تقديم همام وقال في اجابتهم: “أما همام؛ فإنه أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، كلهم فرسان، ولن يسلموه لي لأدفعه اليكم لتقتلوه.

مقالات ذات صلة

وعلى الرغم من قله ذات اليد خلال تلك الفترة وما تلاها من الفترات على الأمم العربية التي أصبحت مسلمة لاحقاً، كانوا يكثرون من الولد طلباً للجاه والقوة والمنعة، فعبد المطلب لم يكن له ولد، وأقسم لو رزقه الله بعشرة من الولد ليذبحن أحدهم شكراً لله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “أنا أبن الذبيحين”، يقصد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وعبد الله بن عبد المطلب، وكان لأبو طالب من الأبناء الكثير، وكان يفرّق أبناءه على اقاربه ليكفوه مئونتهم، فكان علي بن ابي طالب ربيباً للنبي عليه الصلاة والسلام وقت البعثة.

واليوم ما زال الناس يعتقدون أن كثرة الولد سبباً من أسباب النصر، فتراهم يكثرون منهم لمساعدتهم في الحقول والأعمال التي تمتهنها الاسرة، وما دروا أن البركة لا تكون بالكثرة.

تخيل! ثلاثون فارساً منعوا المُهلهل جبار العرب حينها من الوصول إلى همام طلباً لثأره، كانوا قادرين على حمايته والدفاع عنه، وتمكنوا من الوقوف في وجه ملك العرب حتى لا يأخذ بثأره.

اليوم يربو عدد المسلمين في العالم على ملياري مسلم أي ثلث سكان العالم، ويربو العرب على اربعمئة وثلاثون مليوناً، بما نسبته 5% من سكان العالم.

وعلى الرغم من هذه الأعداد الضخمة؛ فإن هذه الملايين تقف عاجزة عن إيقاف عدوان فئة باغية طاغية متجبرة تقتل أهلهم كل يوم في غزة، وعندما ينتهون منها – لا سمح الله – بطرد سكانها إلى رفح المصرية سيتحولون إلى الضفة الغربية لإخراج أهلها إلى الأردن أو غيرها من دول اللجوء، وعندما تتحقق احلامهم وينتهون من فلسطين؛ سيكون الدور على إحدى دول الجوار ثم التي تليها، وهكذا.

لم تستطع كل تلك الملايين المساعدة في وقف العدوان، أو الضغط على قوات الاحتلال لوقف تلك الهجمات البربرية، أو من خلال الضغط عليهم بالحصار التجاري والغذائي وإيقاف خطوط الامداد لموادهم الغذائية واسلحتهم التي تمر عبر بلداننا العربية، وتستخدم الموانئ التي أنشأناها لخدمة أهلنا..

وعجزتْ كل تلك الملايين عن إيصال عبوة ماء إلى غزة رغم انف الاحتلال، بل ما زالوا يرجون وينتظرون موافقة الاحتلال من اجل تمرير المساعدات إلى أهلنا في غزة، وما زال الاحتلال متعنتاً في رأيه بإيقاف تمرير تلك المساعدات، لخلق المزيد من الضغط على المدنيين في قطاع غزة.

اليوم كل تلك الملايين امام اختبار جديد خاصة بعد أن أعلن الاحتلال نيته عن القيام بعملية عسكرية في رفح جنوب قطاع غزة، تلك المنطقة الضيقة التي لا تتعدى مساحتها مئة وخمسون كيلومتر مربعاً، وتغص بأكثر من مليون نازح من شمال ووسط القطاع إلى جنوبه.

هل تتحرك تلك الملايين لتنادي بصوت واحد أن لا للمزيد من القتل والدمار في قطاع غزة؟ هل من الممكن أن تستفيق الجامعة العربية من غفوتها وتجتمع لمناقشة التطورات الخطيرة في قطاع غزة؟ هل من الممكن أن يستفيق الضمير العالمي بمؤسساته وهيئاته وحكوماته الكبرى ويسعى لمحاوله شد لجام الاحتلال عن المضي في القتل والدمار؟

ورد في الحديث الشريف عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يُوشِك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوَهْن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى