عندما تستثار العواطف تتعطل القوى العاقلة

عندما تستثار العواطف تتعطل القوى العاقلة
أبناؤنا فلذات أكبادنا
د. علي منعم القضاة

تتفاعل قضايا كورونا ومكافحتها وإدارة أزمتها عبر العالم، وتشهد الساحة الأردنية تجاوباً وتلاحماً غير مسبوق بين الحكومة والشعب، واتفاق منقطع النظير بين جميع مكونات المجتمع، على أن الحكومة تقوم بإدارة الأزمة بحكمة وبخطوات رشيدة. وجميعنا يذكر أن الحكومة مشكورة أرسلت طائرة خاصة إلى الصين لإحضار الطلبة الأردنيين الدارسين في ووهان،؛بل وبعض غير الأردنيين مع بداية الجائحة، ثم إنها استقبلت مئات بل الآف العائدين ووضعتهم في الحجر الصحي على نفقتها الخاصة، في فنادق خمس نجوم، لم يكون بعضهم يحلم أن يزورها ويسكن فيها أسبوعين، ولا حتى لو ان في شهر العسل، جهود الأردن لم تفعلها كبرى الدول، ولا كبرى الاقتصادات العالمية، وهي مشكورة بكل تأكيد على ذلك.
أيها الأردنيون إن الأرقام لا تكذب؛ وهي تتحدث عن حالات الإصابة والشفاء والوفاة في كل العالم، وتعطينا بوارق أمل أن الأردن هو الأفضل والأقوى في السيطرة على الفيروس، وفي ضبط انتشاره إلى حد فاق التوقعات، أحوالنا في الأردن يتمناها القاطنون في أكبر دول العالم ولله الحمد والمنة، ثم يعود الفضل لإجراءاتنا الرشيدة، والحصيفة في التعامل مع الوباء. يشهد الله العظيم وأنا أكتب هذه المقالة وصلتني رسالة (واتس أب) من زميل يعمل في إحدى الدول العربية، يقول فيها: أنه تم تسجيل (1132) حالة إصابة في ذلك البلد لهذا اليوم.
لعل القضية الأبرز على الساحة الأردنية الآن هي قضية الطلبة الأردنيين الدارسين في الخارج، حيث تقول كل المؤشرات التي أن الحكومة وبالتعاون مع قطاعات المجتمع المختلفة، قد جعلت من أزمة كورونا قضية تحت السيطرة إلى حد كبير، يبلغ عددهم حسب التقديرات ما يقرب من(35000) خمسة وثلاثون ألف طالب وطالبة من مختلف المراحل العمرية والدراسية، هذه قضية تشغل بيت الأردنيين جميعاً، حيث من النادر أن لا يكون لأحدنا قريب أو ابن يدرس في الخارج. ومما يسهل عملية المشاركة الجماعية والمجتمعية بالنقاش في هذا الأمر، حرية وسهولة التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت مشاعاً للجميع دون ضوابط أو موانع، بحرية مطلقة، وصارت المعلومات موجودة في كل بيت. سيناريوهات مختلفة تتعلق بعودة الطلبة، ومنها تصريحات حكومية غير مرة تشير إلى عزم الحكومة على إعادة الراغبين منهم إلى أرض الوطن.
وإنني من قبيل حرصي على بلدي ومجتمعي وأبنائي فلذة كبدي خارج الوطن، أقدم رأياً ونصحاً للحكومة والشعب على حدٍ سواء، بالقول أنه من الأفضل لنا جميعاً إبقائهم في أماكنهم، وفي البلدان التي يقيمون ويدرسون فيها، إذ يطبقون الآن في تلك البلدان تعليمات الحجر الصحي، وقد مضى ولله الحمد ما يقرب من شهر على انتشار الوباء، والأمور شبه مستقرة لهم في بلدانهم وأماكن سكناهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فرص نقل العدوى ستكون أكبر بقدومهم، حيث تزداد المخالطة، وتزداد إمكانية انتقال الفيروس مع المسافرين، أو مع أحدهم، وهذا كفيل بنقله إلى غيره واتساع دائرة الوباء لا قدر الله.
وكذلك الحال فإن نسبة كبيرة ربما من الطلبة يدرسون في دول تكاليف الحياة اليومية فيها أقل من تكاليف الحياة في الأردن قبل الوباء، كما إن معظم الدول التي يدرس بها أبناؤنا لا يوجد فيها رسوم دراسية، وبالتالي تدريس أبناء غير المقتدرين فيها أوفر مادياً لأهاليهم من تدريسهم في الجامعات الأردنية، وأقصد هنا التكاليف التي سيدفعها غير المقتدرين من الأردنيين، لو أحضروا أبنائهم إلى الحجر الصحي لمدة (17) سبعة عشر يوماً في الفندق، بما يزيد عن مائة دينار في الليلة الواحدة تكاليف الإقامة والطعام والشراب.
فالقضية صحية بالدرجة الأولى، والخوف من هذا الجانب فقط، ولو كان غير ذلك لما أرسلنا أبنائنا من أصله للدراسة في الخارج، وأقصد عامة الناس. أما الذين لديهم القدرة على دفع تلك التكاليف للفنادق والسفر، فإن لديه أيضاً عواقب غير مضمونة، وخاصة في انتقال المرض، الذي قد يحدث في أي لحظة، فإن بعضهم – ولا أقول جميعهم- لا يعرف أبناؤهم الأردن إلا بالزيارات المتقطعة، فهم بالأصل أغلبهم مولودين ومقيمون في دول الغرب، أكثر من الأردن ويعرفونها بتفاصيلها وفعالياتها أكثر من الأردن، الأردن بالنسبة للبعض بستان يزورنه لقطف الثمار، والاستمتاع بخيراته.
إنني أكرر القول بأنه من الأفضل بقاء الطلبة الدارسين في الخارج كل منهم في الدولة التي يقيم فيها ما لم تكن ضرورة قصوى لإحضاره ووضعه بالحجر الصحي هنا، ولو ان الأهالي يسمعون النصح لحافظوا على أبنائهم في تلك الدول بأمان طالما أنهم لا يواجهون خطراً حقيقياً ومباشراً. وإنني أرى أن لا تتكفل الحكومة بأية نفقات لمن أراد ان يعيد ابنه من الخارج، لا للمقتدرين ولا لغيرهم، لأن الفقراء وغير المقتدرين لن ينالهم منها نصيب إلا كالملح في الطعام، أي مصلحة الطلبة ومصلحة الوطن أن يبقوا في أماكنهم، وعين الله ترعاهم، سواء أكانوا مقتدرين على العودة والتكاليف أم لم يكونوا، فلتبقى جهودنا موحدة، ولتبقى سواعدنا قوية في محاربة الوباء، يا قوم عندما تستثار العواطف تتعطل القوى العاقلة، حافظوا على عواطفكم الجياشة منضبطة، وادعوا الله لأبنائكم بالسلامة في أماكنهم.
طبعا أنا أناقش في مقالي هذا فقط ما يتعلق بالموضوع الصحي والعدوى، واحتمالية انتقال فيروس كورونا، والتكاليف المالية للحجر الصحي والقدوم من بلد الدراسة للطلبة، ولو ناقشنا موضوع آخر غير الصحي؛ لدخلنا في دوامة بسبب إعادة الطلبة، مثال واحد يكفي وهو ما سوف يسببه الطلبة العائدون من أزمة أو افتعال أزمة مع التعليم العالي في الأردن، وأنه يجب عدم إعادتهم لمواطن الخطر والوباء، ويجب احتساب دراستهم وإلحاقهم بالجامعات الأردنية، وكيفية الاحتساب والانتساب وكل شراشيب الخرج اللي عانينا منها كثير في السابق كلما حصلت أزمة في بلد ما.
ما نسبته فقط (1%) واحد بالمائة من العدد الفعلي للطلبة الدارسين في الخارج لو فكر بهذه الطريقة، لوجدنا مظاهرات واعتصامات وتحشيداً أمام وزارة التعليم العالي، التي لا ينقصها أعباء أبداً، وسوف يضيف تعبات إلى تبعاتها لم تكن في الحسبان، ولوجدنا ألف سحيج من أصحاب اليراع السيال (أقلام التدخل السريع) في مواقع التواصل الاجتماعي يدافعون وينافحون عن هؤلاء الطلبة وعن أهليهم، ويعتصرون ألماً عليهم وعلى مستقبلهم الذي سيضيع بسبب عدم اهتمام الحكومة بهم ولا بمستقبلهم، هذه هي ثقافتنا، أبقوهم في دول تستضيفهم وتحترمهم وخففوا عن كاهل الأردن عبء إضافي، فليعد من أراد منهم حتى تنقشع كورونا، ثم يرجعإلى بلاده دون أي التزام أردني نحو العائدين وخاصة في مجال التعليم العالي.

الدكتور :علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والنشر الإلكتروني
E-mail:dralialqudah2@gmail.com
Mob:+962 77 77 29 878

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق