رَحَلَ أيلولٌ رِجِعْ أيلول / د. سمير ايوب

رَحَلَ أيلولٌ رِجِعْ أيلول
ثرثرات في الحب

كلُّ ما في أيلول ، إشراقاتُ الذهبِ في وَرَقِه ، شَمسُه المُبْهِجة ، غَيْمُهُ المُوشَّى بالطَّلَل ، نسائِمُه المُتَسَلِّلَةِ من أعالي الجليلِ والكرملِ وجبلِ الشيخ ، يُعَزِّزُ حُضورُ مُفرَداتِها .
فذاتَ أيلولٍ هَبَطَتْ يوسفيَّةُ الجمال ، دون أن يُنْصِفَها الزمنُ كثيراً . أيوبيةُ الصبرِ، ما قَصَّرَتِ الأوجاعُ غير المُدجَّنَةِ مَعَها، أماتَتْ جِراحاً وأحيَتْ جِراحا . كَنَبِيُّ اللهِ إبراهيم عليه السلام ، سكنَ حُزنُ الحيرةِ وَميضاً في كبرياءِ عَينيها . رِضاها دامِعٌ كرِضا رسول الله عيسى بن البتولِ عليهِما السلام ، صادقةٌ أمينةٌ واثقةٌ ، كنبيُّ الله محمد علية الصلاة والسلام . وذاتَ أيلولٍ جاءت سارِيَةً على أرصفتِه ، أكثرَ أُنوثةٍ وجُرأةٍ مما تُبْدي ، فاقِدَةً للدهشةِ لا يَنْتابُها إستغراب . جُلُّها عناوينُ مُؤتَلِفَةٌ عَصِيَةٌ على الفَهْم . يُداهِمُكَ عِطرُها الفوَّاحُ مِن حيثُ لا تَحتَسِبْ . تَحارُ تَخالَهُ ياسميناً مَغربِياً ، أو ورداً دِمَشقياً . وتَخالَهُ دَحنوناً أردنياً ، أو تَمْرِحِنَّةٍ مصري . أو خلطةً سحريةً مِن عَبَقِ بُرتقالِ فلسطين ، الموشى بالبخور اليماني .
جاءَتْ تَستَحِقُّ أن تُشرعَ لها أبوابُ العُقولِ والقلوب .
جاءَتْ وقد خابَ الكثيرُ من تَوَقُّعاتِ كِبرياءِها . لَمْ تبحث عن طبيبٍ نَفْسيٍ ، ولَمْ تَلعَن .
جاءَتْ وكُنتُ أحسَبُها بَرْقاً بِلا رَعْدٍ ، وأحياناً كانَ رعدها مُفاجِئا ، لا يَسبِقَهُ برقٌ ولا يَتلوهُ غَيْثٌ .
أذْكُرُ إرتِطامَنا الأوَّل ، في ظِلالِ وادي الشِّتا أو طَلِّةْ الفحيصِ كان . ذات أيلولٍ إلتَقَتْ هناكَ ألكثيرُ مِنْ أبجدِيَّاتِنا ، مَسكونةً بِحُزنٍ . أخَذَتْنا بِحارُ الهَمِّ لأقصى شواطئِها . وأتَتْنا أمواجُهُ بِهُمومٍ أُخَرْ . كانت حَريصةً على أن لا تُخطِئَ في التأويلِ ، وعلى أن لا تُرهِقَ قلبَها في الفَهْم .
ومضى أيلولٌ تِلوَ أيلولٍ ، وأنا أحاولُ كلَّ ليلةٍ مُذْ أجْدَبَ العُمرُ ، أن أقودَ إنقلاباً على سِجنِ الجسد وسنينِ السجان . أحِسها قريبةٌ بعيدةٌ ، أشتاقها فأسمعُ بُحةَ صوتِها . ولكني لا أجدها فأتوجَّعْ . ما إفتَقَدْتُ يوماً سُؤالَها عني ، ولا دعاءً لها من أجلي .
أيْنَكِ ؟ لهفتي تُناديكِ . تَوَحَّشْتُ لِكُلك على بَعضِكْ .
أما زِلتِ مُصابةً بي . ولا تعلمينَ لِذلِكَ سَبباً ، ولا تَعْلَمين لِمَ أنا بالذات ؟ كل ما أدريهِ الآنَ ، أنَّكِ كُنتِ موقِنَةٌ ، أنَّ ذاكَ وهذا ، ما كانَ لهُ أن يكونَ ، ما لَمْ نَكُنْ ، أنتٍ بالذاتِ وأنا بالذاتْ .
مذ أُسْريَ بِنَجواكِ من رحابِ البيتِ الحرامِ ، إليَّ في رحابِ المسجدِ الأقصى ، مُشتاقةٌ وقارئةٌ لآيِ الذِّكرِ الحكيمِ ، مُهدِيَةٌ ثوابَه لي ، وَقُرَ الرضا أكثرُ في القلبِ والروح . وباتَ شوقي يُحَرِّضُني ، للإبْحارِ فيكِ صيفَ شتاء ، مُستَكْشِفاً لِلمرةِ الألف .غَيَّرْتِني . لَمْلَمْتِني . تَسامَيْتِ إلى عقلي ، راقصتِه ودَغْدَغْتِهِ بدهاءٍ نبيلٍ أنيق .
تَرحلُ الأيامُ ، وتَبقينَ حتى في تَوالي الليلِ مُبْتَسِمَة ، و في قَلبك مُتَّسَعٌ للرضا المُدَغْدِغِ . مُنذُ أيامٍ ، خَبَّرَتْني سَكِينَةُ أيلول التي أعْشَق : أنكِ إتْغَيَّرْتي وصِرْتِ أكبر. تَباً لِعدّادِ السنين ، بَعْدِكْ صغيرِه يا إمرأة .
كُلُّ أيلولٍ وأنتِ بِخَيرٍ . فَمِثْلُكِ وتَفاصيلُ ما تبقى من عمرك ، تَليقُ بها مواسِمُ ايلولٍ ، إنْ جاءَ أوِ إنتَصَفَ ، أو أوشكَ على الرحيل .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق