خوف وعزلة

[review]خوف وعزلة

قبل أن يغادر القرية، بات يشعر، في أعماقه، فجأة ، بشيء يرغمه على الهرب ، كلما اقترب منه آدمي . كان شعورا مبهما. خليط من الخوف والنزوع إلى العزلة. حاول مرارا أن يكبح جماح ذلك الإحساس الغريب، لكن دونما فائدة. وعندما شرع يسترجع سنين عمره التي أنفقها بين أهل القرية، ألحّ عليه شعور الرّغبة في الهرب أكثر، على عكس ما أراد، فبلغ منه الضيق مبلغا كاد يقتله. أحسّ بأن كونا ممتدا لا ينتهي ، هو فقط القادر على احتوائه ، وإدخال السّكينة إلى قلبه. وقتها، حزم أمره ، وقرر الرّحيل. انتبذ لنفسه مكانا نائيا، على أطراف البلدة. كانت تلّة مرتفعة تطلّ على وادٍ أجرد، يملؤه الخواء.

في موطنة الجديد، اعتاد تأمل الوادي كلّ صباح. فيجد الجبال أمامه قد اكتست بثوب عشبيّ باهر، فيما تضجّ الحياة في قاع الوادي : أشجار ضخمة، تقف شامخة، وسط مروج الأزهار وبساتين الفاكهة، فيما يختلط خرير الماء المندفع من الينابيع مع زقزقة العصافير الشّجيّة، فتتراقص خيوط الشمس مخترقة الغيوم، لتحطّ على سطوح الوريقات والأغصان والأزهار، المبلّلة بريق السماء.

وبينما هو مأخوذ بدهشته اليوميّة، كان ينتظر قدوم فتاة الوادي، التي كان يعتقد بأنها تجيء من عالم سحريّ مجهول. كانت تظهر في الوقت ذاته من كل يوم ، تتنقّل في الوادي بسعادة غامرة. عندما تأتي، كان يراقبها من بعيد، مختبئا، كي لا تشعر بوجوده، فينتهي مشهد سحريّ، يبعث في أعماقه اعتقادا جازما، بأنه قادر على التّحليق.

في أحد الأيّام – بعد سنين طويلة من رحيله – ضلّ طريقه، وإذا به يدخل القرية، فاستوقفته هالة من الجمال، تحيط بفتاة تقف في شرفتها. تسمّر في مكانه وتأملها طويلا. شيئا فشيئا بدأت بيوت القرية تتحوّل، في عينيه، إلى أشجار باسقة، واكتست أرضها بحلّة زاهية من الخضرة، وجرت في حاراتها الينابيع. حدّق في الفتاة مجدّدا، وإذا به يكتشف أنها فتاة الوادي ذاتها، لكنه لم يختبئ كما كان يفعل عندما يراها في الوادي. بل استدرجته الخطى للاقتراب منها أكثر فأكثر، حتى بدأت تصرخ مستنجدة،حال رؤيته:

– يا إلهي، إنه رجل مخيف، أنقذوني، إنه يحاول دخول المنزل.

وما هي إلا دقائق حتّى جلبت صرخاتها حشدا غفيرا من أهل القرية، شرعوا في مطاردته، إلى أن اختفى عن الأبصار.

شكّل أهل القرية فريقا لتعقّبه خارج حدود البلدة، بحثوا عن أي أثر يقود إليه، في الجبال والوديان المحيطة، ما اضطرّه للاختباء، فحرم من متعته اليوميّة في تأمّل الوادي.

بعد شهور قليلة، وبينما كان نفر من رجال القرية يتجوّلون في الأنحاء، تسلّلت إليهم رائحة عجيبة، انبعثت من صومعة قمح مهجورة، كان قدماء القرية يخزنون فيها محصولهم، كانت عبارة عن بناء مستدير مرتفع الجدران، لا سقف له، يخلو من أيّ منفذ، سوى كوّة صغيرة في الأسفل، تمّ إغلاقها بإحكام. لاستيضاح أمر الرّائحة، استحدثوا فجوة في الجدار، تمكّن بعضم من الدخول عبرها إلى داخل الصومعة، وسرعان ما تدافعوا للخروج هلعين مذعورين، بعد أن اكتشفوا أنّ مصدر الرائحة، كان جثّة متفسّخة ، لرجل مُجَنّح.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى