الاصابات
312٬851
الوفيات
4٬121
الحالات الحرجة
158
عدد المتعافين
295٬705

حكايتان

حكايتان
ماجدة بني هاني

(1)
قد يموت الشغف، ويبقى الهدف عالقا في أقصى الرؤى، مثل الحق الذي يطلب صاحبه بلا هوادة..
وقد يضيع الوفاء ويبقى العهد والوعد معلقا بباب السماء يستنطق الملائكة، ويستجير بكل الأنبياء.
لم أعتب في حياتي على شخص لم يرافقني طريق البدايات……
ولكن عتبي على من رسم معي خارطة طريق ومشوار عمر ثم تنحى عند أول منعطف.. وظللت وحدي ألهث خلف السراب.
ولم أقف على حقيقة أقسى من غياب الموت وفراق الروح، ذلك الذي لا ينفع معه أمل ولا انتظار ولا سلوى.
وما صدمت من اكتشاف أشد من مقايضة المشاعر..
يعني أن أردت أن تحب فعليك أن تدفع ثمنا باهضا لتحصل على القليل من الحب في زمن الجدب والخواء والزيف..
وإن أردت أن يعطف الناس عليك فعليك أن تهدر نفسك عطفا وتحنانا لتجني القليل من الرحمة في زمن القسوة والجبروت…
كل شيء بالمجان، والكذب طافح الكيل والظلم زاخر مثل مطر هذا العام، كل شيء بلا ثمن، الغدر، الخذلان، النسيان، النكران، الجحود، كل شيء متاح… إلا قيمة الإنسان الإنسان،ثمنه الموت أضحية على أرصفة الأزمان.
(2)

.َكنا أنا وأبي على طرفي نقير…. لا متناقضان ولكن متشاحنان…متشابهان..
وهذا ما يحصل عندما يلتقي السالب بالسالب او الموجب بالموجب..
كنت أشبهه في الصدق العاطفي وفي التوق الدائم للانعتاف والتحرر، وأشبهه في الحس بالذائقة العالية، والمزاج الفريد في الاستمتاع بالأشياء… في الاندفاع بقوة نحو منطق الحق، في الإيمان العميق بالله.
لذلك كان يعشقني في الوقت الذي كان يشاحنني فيه… ربما لأنه كان يدرك تماما أن التمرد والشموخ والرغبة الجامحة في الانطلاق تنطبق على روح رجل، وتتعب وتشقي أذا كانت الأنثى كذلك… كان رحمه الله يشفق على طبيعتي وأكثر من يعرف مغاليقي ومفاتيح شخصي من بين كل البشر…

لماذا يا أبي أفزعتني بالرحيل.. في كل هذا الازدحام من الوعي واللاوعي، انتزعتني من نفسي ومضيت..
لا تدرك حجم ألم الفقد إلا حين تمضي الأيام بك، ا
تخدعك بالنسيان.،وتصبرك بالحرمان، وحين تفيق عند أول موجة حنين، وأول صفعة ندم، تتحسس رأسك في مكانه، وتنظر إلى الندوب التي علقت بك، لتدرك حجم الجرح.
المعضلة في فقد أبي، تكمن في النموذج، في امتداد الروح، كنت أشد ظهري بأبي، وأرفع صوتي عاليا بأبي، انظر إلى الأحداث من طرف عينه،فتصغر الدنيا، وتتبسط المسائل.،وأتذوق الأشياء من روعة مزاجه، ويصغر الرجال جميعا بجانبه،كنت أصول وأجول، وأطغى في الكبرياء،وحين أعود أتدثر بعباءة أبي..
الآن الآن لا يسعني إلا الأنين، حتى آخر العمر:
قد كان أبي
قد… كان وكان في سالف الأزمان…. أبي!

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى