حتى لا نعيش الغربة داخل الوطن

حتى لا نعيش #الغربة داخل #الوطن

الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة

#العدل أساس #الملك ووفقا للدستور فإن #الأردنيين متساوين أمام #القانون وعليه فإن الإدارة العامة الأردنية ومؤسساتها كافة ينبغي أن تتعامل مع الموطنين وفقا لنصوص #الدستور وهذا يستلزم بالضرورة أن يتم ترجمة هذه النصوص وتجسيدها في التعيينات والامتيازات والاختيار للمواقع القيادية وفقا لجدارة وكفاءة من تنطبق عليهم شروط الوظائف المعلن عنها. وعندما نتحدث عن جدارة المتقدمين فإننا نفهم من ذلك قدراتهم ومؤهلاتهم الشخصية والفنية وبالتالي فإن تطبيق معايير غير معلنة على المتقدمين مثل المعايير الأمنية وموافقة المخابرات العامة هو بالتأكيد خرقا لمواد الدستور ونصوصه وروحه. كل من يعمل في الدولة بوظائف قيادية وغير قيادية يجب أن يحتصل على موافقة أمنية ،وكل من يتم تعيينه في الجامعات أكاديمي أو إداري يجب أن يحصل على موافقة أمنية ،وكذلك في مستشفيات وزارة الصحة وغيرها من أجهزة الدولة.وهنا نتساءل ما علاقة النواحي الأمنية والمخابرات في تعيين أستاذ جامعي متخصص في الأدب والنقد أو طبيب مسالك بولية ،أو أخصائي عظام أو طبيب عقم وأمراض تناسلية أو غيرها ! وما علاقة الجوانب الأمنية والاتجاهات السياسية بأستاذ نظم معلومات جغرافية أو كيمياء عضوية أو غير عضوية،أو فيزياء نووية ،أو صيانة الآثار والمصادر التراثية أو أستاذ في ألعاب القوى. ورغم التوجيه الملكي لدائرة المخابرات العامة بتاريخ 17-2- 2021بوقف تدخلاتها في مؤسسات الدولة الإقتصادية وغير الإقتصادية فإن استمرار هذا التدخل في قطاع التعليم العالي والجامعات أصبح ينذر بالخطر حيث أن التعيينات ابتداء من اختيار رئيس الجامعة ونوابه والعمداء ،تخضع لموافقة دائرة المخابرات.أما مجلس التعليم العالي وتشكيل اللجان للتقييم القيادات الجامعية فكل ذلك ليس عن الاعتبارات الأمنية ببعيد.إعلانات عن شغور رئاسة جامعات وتشكيل لجان وترشيحات ومقابلات وفي النهاية يتم ترشيح ثلاثة أشخاص وتختار الدوائر الأمنية من تريد وعلى المجالس ذات العلاقة إخراج التعيينات لتبدو مؤسسية.
أما في مجال الحريات العامة فالوضع أسوأ مما يعتقد البعض أو مما يكتب بعض الكتاب الممالئين وللأسف أن بعضهم أكاديميين وصلوا لدرجة من الإسفاف في المدح والممالئة لم يصلها كثيرون من قبلهم.عن أي حريات نتحدث ونحن نرى معلمين وتربويين “يجرجرون” ويحرمون من ممارسة نشاطهم النقابي؟.عن أي حريات نتحدث وأسماء يصعب ذكرها هنا ممن اعتقلوا وأفرج عنهم أو ما زالوا معتقلين بتهم قدح مقامات عليا ، والإساءة للمؤسسات الوطنية؟.لا أعلم ما الخطر الذي يشكله كاتب مقال سياسي ناقد ،أو أكاديمي تعرض لبعض الأجهزة الأمنية منتقدا أدائها أو تدخلها أليس ذلك يأتي منسجما مع المادة (17) من الدستور الأردني والتي تتحدث عن حق الأردنيين بمخاطبة السلطات العامة؟
أما في مجال الفساد ومكافحته فالحديث ذا شؤون وذا شجون فقد مل الأردنيون وكلوا من الكلام المكرر والجمل المقعرة “بالضرب بيد من حديد على الفساد والمفسدون” .إن انتشار الفساد في الأردن غير مسبوق ،والمكافحة متواضعة وهي ذات طبيعة إعلامية وتصريحات جوفاء. ونعتقد أن بعض المخلصين والمرشدين لبؤر الفساد والفاسدين أصبحوا هم ذاتهم محل شبهة واتهام وكأن الدال أو المبلغ عن الفساد كفاعله.لا نبالغ إذا قلنا بأن بعض من يتم اتهامهم ويتركون للدفاع عن أنفسهم ونزاهتهم هم الانقياء المخلصين في حين أن الفاسدين يتمتعون بالحرية .مكافحة الفساد تحتاج إلى شفافية ومعلومات للمواطن عما آلت إليه الأمور وعقوبات معلنة وتنفيذ حقيقي لهذه العقوبات.
الأردنيون موجودون على تراب هذا البلد قبل عام 1921 وقبل قيام الدولة ،وعلاقة الأردنيين بالعائلة الهاشمية علاقة تعاقدية بدأت عند استقبال أجدادنا الأردنيين الأوائل للأمير عبدالله الأول والذي أصبح لاحقا الملك عبدالله في معان وانتقاله بعد بضعة شهور إلى البلقاء ثم عمان ووضع القانون الأساسي بمواده (72) لإمارة شرق الأردن عام 1928، كان ذلك يمثل صفة تعاقدية طوعية اختيارية بين الأردنيين والعائلة الهاشمية.وعليه فإن طبيعة العلاقة بين الأردنيين والهاشميين تستند لشرعية تعاقدية قانونية يمثلها الدستور الذي نحتكم إليه جميعا ولا أحد فوق الدستور بما في ذلك الملك “حامي الدستور” .
صحيح أن الأردنيين محبين للعائلة الهاشمية ومتمسكين بالنظام الملكي لكن النظام الذي نتمسك به هو نظام نيابي ملكي دستوري حيث دور الملك رمزي ومقيد فهو يملك ولا يحكم. إن الاستقرار يعتمد على العدل والإنصاف والابتعاد عن الجور والظلم والتعسف فهل من دروس تستفاد من تجارب من حولنا ؟ دائرة المخابرات العامة والعاملين فيها وفي كافة الأجهزة الأمنية هم أبنائنا ونريد لهم أن يؤدوا الأدوار الأمنية المناطة بهم ولكن ليس لهم أن ينهضوا بأدوار سياسية أو أدوار تتعارض مع المهام والوجبات الفنية والأكاديمية لكثير من مؤسساتنا الجامعية وغير الجامعية.
الظلم وعدم المساواة آفتين كبيرتين مهلكتين للحرث والنسل ومفجرتين للثورات أكثر من الفقر والبطالة ومن يستعرض تاريخ الحركات السياسية الثورية والتطورات السياسية العنيفة في معظم دول العالم وخصوصا النامي منها يجد بأن الظلم وعدم المساواة والإجحاف بحق المواطنين والتجبر فيهم هي عوامل ووقود الثورات في هذه المجتمعات. المواطنون يقبلون بالفقر إذا شعر هؤلاء أنهم متساوون حتى في الفقر وحتى في القسوة وحتى في العوز والبطالة ولكنهم يصبحون قنابل موقوتة إذا شعروا بأن الظلم هو صديق الفقراء الذين يعيشون على هامش المجتمع وأن شرائح أخرى تتنعم بحقوق مزيفة وامتيازات وألقاب مصطنعة.
الأردن لم يعد ذات الأردن الذي عهدناه وألفناه على مدار عقود من السنين والذي يدعو فيه جلالة الملك إلى كسر ظهر الفساد.لا نريد أن يصبح الوطن موحشا لا سمح الله ولا نريد أن تهتز صورة الدولة والنظام بأذهان الأردنيين.حب الأردنيين للنظام انبثق من سلميته وعدم عنفه وتلطفه بالناس وقربه منهم ونحن الآن إذ نحتفل بمئوية الدولة فإننا نرى انحرافات عن هذا النهج وتغول للفاسدين ونراهم مقربين من دوائر الدولة الحيوية والحساسة ،ونراهم مؤثرين في صناعة القرار ويتم تعيينهم في أبرز المواقع بإعلان وبدون إعلان .نعم نحن نسمع ونرى ونلمس تغول أمني على جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية وغير التعليمية وهذا ليس في صالح الأمن ولا في صالح العلاقة بين النظام وبين المواطنين ونحن ندعو من هذا المنبر إلى إعادة صياغة هذه العلاقة بين الدوائر الأمنية والجامعات لا بل وكافة الأجهزة المدنية في الدولة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى