“#جريمة_الزرقاء” تدق ناقوس خطر أصحاب السوابق في الأردن

سواليف
لم يمر شهر على افتتاح “حسن” محلا لبيع الملابس، حتى تفاجأ بدخول أحد أصحاب السوابق عليه، مطالبا إياه بدفع مبلغ من المال (إتاوة) مقابل حراسة محلات السوق، وحين سأله عن أي حراسة تتحدث؟ قال له: “ادفع وأنت ساكت”!.

ارتعب حسن، الذي طلب ذكر مقطع اسمه الأول، من مشهد هذا الحارس المزعوم، كونه ضخم الجثة، وتبدو على وجهه علامات الإجرام والتعطش للعنف، إلا أنه تمالك نفسه، وأصر على عدم دفع شيء له، فقال له وهو يلوح بشفرة حلاقة بيده: “إما أن تدفع، وإما أن أضرب نفسي بالشفرة وأشتكي عليك بأنك ضربتني!”، فكان له ما أراد.

ويقول حسن إن هذه القصة تتكرر يوميا مع أصحاب المحلات في الأردن، “فأصحاب الأسبقيات والقيود المتكررة يعرفون القانون جيدا، ويستغلون ما فيه من ثغرات؛ لتخويف التجار، وتحصيل ما يريدون من إتاوات، وما إن يُسجن أحدهم حتى يأتي من ينوب عنه ليمارس الدور نفسه”.

جريمة “فتى الزرقاء”

وأعادت الجريمة التي ارتكبت بحق فتى في محافظة الزرقاء بالأردن، الثلاثاء، تسليط الضوء على قضية أصحاب السوابق والقيود المتكررة، الذين يدخلون السجن لارتكابهم الجرائم وأخذهم الإتاوات، ثم يخرجون منه مجددا لممارسة “هوايتهم”.

واعتدى عدد من الأشخاص على “فتى الزرقاء” بأدوات حادة، على خلفية جريمة سابقة قام بها أحد أقربائه، حيث قاموا بضربه وبتر ساعديه وفقء عينيه، ليتبين فيما بعد أن “مرتكب الجريمة الرئيس بحقه ما يقارب 170 قيدا (أسبقية جرمية)، بحسب تصريح مصدر أمني لوكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا).

وبين المصدر أن “القيد والأسبقية تعني أن الشخص أرسل للقضاء بتهم معينة، وبعد ذلك قد يتم إنزال العقوبة بحقه والحكم عليه بمدد زمنية مختلفة، ينهيها ويتم إخلاء سبيله”، لافتا إلى أنه “من الممكن أن يكون شخص عليه 200 أو300 قيد، لكنه غير مطلوب، ولا يمكن توقيفه؛ لأنه أنهى جميع الأحكام الصادرة بحقه”.

الناطق الإعلامي باسم الأمن العام، عامر سرطاوي، أجاب حول أسئلة حول أعداد أصحاب الأسبقيات والقيود الذين يتمتعون بالحرية والحركة خارج السجن، ومدى جدية الإجراءات الأمنية تجاههم، والحديث عن تدخل “واسطات” للإفراج عنهم، إلا أنه اكتفى بالقول: “كل شكوى تأتينا نحولها إلى المحكمة”.

من يتحمل المسؤولية؟

وفرّق الناشط الحقوقي المحامي بسام فريحات، بين شخص يرتكب جريمة عرضية كردة فعل لاعتداء مفاجئ مثلا، وبين أصحاب السوابق والقيود المتكررة، مشيرا إلى أن أهم سبب لعودة هؤلاء الأخيرين إلى جرائمهم “عدم اتخاذ عقوبات رادعة في حقهم”.

وقال إنه وفق قانون منع الجرائم، فإنه يحق للمحافظ أن يتحفظ على أصحاب السوابق حتى لو لم يرتكبوا جريمة جديدة؛ لأنهم يشكلون خطرا على المجتمع، ويمكن أن يرتكبوا جرما في أي لحظة”، مطالبا بأن يتم تطبيق القانون بشكل صحيح، بدلا من استخدامه للتضييق على العمل النقابي، وتقييد حركة الأحرار الذين يطالبون بحقوقهم.

وأكد أن الخلل في تطبيق التشريعات من قبل الدولة يجعل المسؤولية تقع على عاتقها بالدرجة الأولى، مضيفا أن توسط بعض الشخصيات المجتمعية للإفراج عن أصحاب السوابق والمجرمين أمر معيب، معللا وساطتهم بوجود علاقات ومصالح شخصية متعددة بين الطرفين.

وعن قيام السلطات الأردنية بدورها في حماية المواطنين من أصحاب السوابق والقيود المتكررة، أوضح فريحات أن الأجهزة المختصة “تقوم بحملات أمنية تجاههم، لكنها حملات موسمية، وبعضها يأتي كردة فعل على جريمة كبرى”، متسائلا: “هل يصح أن ننتظر أن يرتكب هؤلاء جريمة كتلك التي حصلت مع فتى الزرقاء حتى نتخذ بحقهم إجراءات رادعة؟”.

لماذا يكرر المجرم جريمته؟

وتبلغ نسبة من يكررون الجريمة في الأردن 39 بالمئة، 10 بالمئة منهم ارتكب أكثر من 20 جريمة، بحسب أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، الذي لفت إلى أن “العود الجرمي” هو السبب الرئيس لاستمرار وديمومة العنف في المجتمع.

وقال خزاعي إن السبب الرئيس الذي يدفع المجرم إلى تكرار جريمته، هو عدم وجود عمل آخر له سوى الجريمة، مضيفا: “حتى حينما يكون أحدهم محتجزا في مركز الإصلاح والتأهيل؛ فإنه يضمن أن أصدقاءه خارج السجن يتابعون أعماله بالسلب وأخذ الإتاوات وغيرها من الأفعال الجرمية”.

ورأى أن أصحاب الأسبقيات والقيود المتكررة هم الأخطر على المجتمع؛ بسبب وجودهم داخل عصابات منظمة تنتج معها الصداقة الجرمية، التي تضمن استمراريتهم في ارتكاب العنف أو الجريمة”.

وأوضح خزاعي أن نصف “أصحاب الأسبقيات” غير متزوجين، وليس عندهم مسؤوليات أسرية ولا أولاد ينشغلون بهم، ومعظمهم أميون من مدمني ومتعاطي ومروجي المخدرات التي تشكل جامعا أساسيا لهم، مشيرا إلى أن “بعض العصابات إذا خرج منهم أحد عن الخط يقتلونه، أو يحدثون في جسده عاهة أو إعاقة، الأمر الذي يساهم في زرع ثقافة الخوف من ترك العصابة، وبالتالي تكرار الجريمة”.

ورأى أن تكفيل مدمني الجرائم إلى حين صدور حكم بحقهم يساهم في تكرار الجرم، موضحا أن الحفاظ على أمن المجتمع وسلامته يتطلب عدم التأخر في إصدار الحكم عليهم، أو على الأقل عدم تكفيلهم استجابة للضغوط الاجتماعية التي تمارس على القضاة والمحامين، وإبقاءهم في الحجز إلى حين البت في قضيتهم.

وأوضح أنه يوجد 20 بالمئة من نزلاء مراكز الإصلاح ليس لهم مأوى أو أهل يتعرفون عليهم، و40 بالمئة منهم يفضلون البقاء في السجن، لافتا إلى أنه “في حال أُفرج عنهم، فإن العصابة هي التي تحتضنهم وتؤويهم، وتوفر لهم سبل العيش”.

وأكد أن مراكز الإصلاح والتأهيل في الأردن تقدم للمحتجزين تدريبا وتعليما وتوجيها جيدا، إلا أن 34 بالمئة من النزلاء يرفضون بشكل قاطع المشاركة في أي تدريب أو تأهيل، ما يساعد في حفاظهم على الدوافع الذاتية لارتكاب الجريمة.

وبحسب تقرير صادر عن مديرية الأمن العام في تموز/ يوليو، فإن معدلات الجرائم المرتكبة في الأردن العام الماضي ارتفع بنسبة 7.57 بالمئة مقارنة بالعام 2018.

المصدر
عربي 21
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى