تعددت الأشكال والإرهاب واحد / م. عبدالكريم أبو زنيمة

تعددت الأشكال والإرهاب واحد
بدايةً، لا بد من تثمين دور وموقف رئيسة وزراء نيوزيلاندا (جاسيندا أرديرن) عقب الجريمة والمجزرة الارهابية التي نفذها أحد الإرهابيين البيض بحق الجالية المسلمة في بيتين من بيوت الله في مدينة كرايستشيرش ، لقد عبّرت وبكل شجاعة ومسؤولية عن موقف أخلاقي، إنساني، ديني، اجتماعي، ثقافي وسياسي حيث صرّحت وبشكلٍ واضح وجلي بأن الجريمة هي جريمة إرهابية وحشية بالوقت الذي طأطأ فيه الكثير من الحكام والمسؤولين العرب رؤوسهم، وجبنوا من شجب الجريمة ووصفها بالإرهابية حتى! أما الزعماء الغربيين فقد تلاعبوا بالمصطلحات ليظهر العمل الإرهابي كأنَّه جريمة عادية، إذ نعتوا القاتل بالمجرم وليس بالإرهابي، خلافاً لما ينعتون به منفذ العمليات الارهابية إن كان ذو بشرة سمراء ومسلم !
الإرهاب هو إرهاب أياً كان مرتكبه ومصدره، وأي جريمة يقترفها فرد أو مجموعة بحق مدنيين آمنين مسالمين لا يشكلون أي خطر أو تهديد لأيٍ كان على أراضيهم فهي جريمة إرهابية، يجب إدانتها من قبل المجتمع الدولي والتصدي لها بكل حزم، بما في ذلك سن تشريعات خاصة بها على مستوى دول العالم، فحصار (25) مليون يمني وتجويعهم وارتكاب أبشع الجرائم بحقهم هو أبشع انواع الارهاب، أما تسييس وتوصيف الإرهاب لخدمة أهداف ومشاريع عدوانية فهو إرهاب فكري وإعلامي وسياسي يجب التصدي له بلا هوادة. يجب أن تتوقف مسرحية ازدواجية المعايير المفضوحة، ففي الوقت الذي توصم حركات المقاومة الإسلامية في لبنان وغزة بالارهاب، يحضى الكيان الصهيوني الغاصب برعاية العالم الغربي الاستعماري وتابعيهم ومن يدور في فلكهم وعبيدهم من الحكام العرب، هذا الكيان الذي أسّسه الغزاة اليهود الذين استجلبوا من كل أصقاع المعمورة لأرض فلسطين ليذبحوا أهلها ويشردوا شعبها ويرتكبوا بحقهم أبشع المجازر الإرهابية الوحشية التي لم يعرفها التاريخ قبلهم! ومما يثير السخرية أكثر هو تسمية الإجرام الصهيوني بـ الدفاع عن النفس، حيث يُطلق على الجيش الإسرائيلي اسم جيش الدفاع الإسرائيلي! هذا هو الإرهاب الفكري والإعلامي والسياسي وهو أخطر بكثير من إرهابٍ فردي هنا او هناك !
للإرهاب مصادره ومسبباته وحواضنه وهو ليس حكراً على طائفة أو عرق أو دين محدد، وهو يمارس منذ القدم في كافة أرجاء المعمورة، لكنه غالباً ما ينشط في المجتمعات المضطربة، ففي عالمنا العربي هناك الكثير من الأنظمة العربية التي اتكأت على التيارات الإسلامية لبسط سطوتها وجبروتها بلباسٍ ديني على شعوبها، فنشط الفكر التكفيري المتطرف الذي تمدد جغرافياً ومن سماته الرئيسية التكفير ورفض الآخر والتحريض على العنف، وكان أتباع هذا الفكر جيوشاً يسيّرها أعداء أمتنا لتنفيذ مشاريعهم واستراتيجياتهم، وصاحب ذلك إعلام رسمي عربي تضليلي يزرع الفتنة بين أبناء الدين الواحد، أفعال وجرائم هذه الجيوش المتطرفة في كثير من الدول اساءت بشكلٍ فاضح للدين الاسلامي الحنيف..دين السلام والمحبة والعدالة ! كما شّرع الغرب كل عواصمه لمنابر تحريضية لهذا المذهب وذاك لإثارة المزيد من التحريض، كما تحولت عواصمها لمنابر عنصرية أيقضت اليمين المتطرف الغربي وساهمت في وصول قادة وأحزاب يجاهرون بعنصريتهم وحقدهم وكراهيتهم للآخر..ومن هنا ارتكب هذا الوحش جريمته بحق المسلمين بالمسجدين في نيوزيلندا ونموذجه المحبب إليه هو الرئيس ترامب، مع التنويه هنا أن كلمة ضد اليهود في الغرب نفسه تقود صاحبها للسجن بتهمة “معاداة السامية” !
الغرب نفسه هو المسؤول الأول عن الانتشار الواسع للارهاب، فاستعماره للمنطقة وإنشائه للجماعات الإسلامية المتطرفة ومن ثم زرعه الكيان الغاصب في وسط محيطه العربي وتنصيبه لعروش عربية وظيفية فاسدة وحمايتها وتشجيعها على الفساد والتسلط وحرمان شعوبها من النمو والتطور، وتحريضها لمحاربة بعضها أوجد بيئة مضطربة خصائصها الجهل والتطرف والفقر والجوع والكراهية، وهذه هي البيئة المثالية الحاضنة للإرهاب تمهيداً لاقامة إسرائيل الكبرى والهيمنة على المنطقة والتحكم بموارد الطاقة وخطوط التجارة والملاحة العالمية .
الراعي والمستثمر الأكبر للإرهاب هما الولايات المتحدة وإسرائيل، فمتى ترضخ إسرائيل للمواثيق والقوانين والمعاهدات الدولية ومتى تكف أمريكا يدها عن نهب ثروات الشعوب والتسلط عليها وغزوها، ومتى ترفع يدها عن حماية الأنظمة الفاسدة، سيعم السلام والأمن والاستقرار والحرية والعدالة وستنعم الشعوب بثرواتها وخيراتها وستنهض لبناء حاضرها ومستقبلها…ولن يفكر أبناؤها بالهجرة لبلاد الغربة ليقتلوا هناك !ِ
رحم الله شهداء نيوزيلاندا وكل الشهداء المناضلين دفاعاً عن أرضهم ومقدساتهم وكرامتهم.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق