تامر وشيرين .(حول أدب الرواية الحديثة) / وائل مكاحلة

تامر وشيرين
(حول أدب الرواية الحديثة)

في عام 1996 كتبت أول قصة قصيرة في حياتي، كانت سعادتي بالغة والورق الذي يحوي درة الأدب وخلاصة الفكر البشري يدور في محيط أهلي وأصدقائي فيثنوا عليه كثيرا ويتمنون لي مستقبلا زاهرا ككاتب وأديب، أذكر أن أحداث القصة دارت حول حب يجمع بين هويمل وصيتة في حقبة الإنتدابات الغربية على بلاد العرب، كان هناك شيك شائك وسوانٍ من الفول والبازلاء والكثير من طلقات الرصاص التي تنهي حياة الحبيبين معا ليتمددا أخيرا وسط الحقول والسواني جثتان هامدتان خلتا من معالم الحياة..

حدث في تلك الفترة أن تطوع أحد معارف والديّ بإيصال تحفتي تلك إلى أستاذ جامعي وأديب معروف، طبعا كان هو الوحيد الذي لاحظ أن قصتي القصيرة ليست أكثر من طبق سلطة طحينية لا تصلح للنشر في جريدة جمهورية البلطيق الوحيدة !!.. لكن الأستاذ الكبير (د. عبد النبي المغربي) قلب الورقة وكتب ملاحظاته خلفها كأي طبيب يصف دواءا لمريض يهمه أمره، قال لي من خلال رسالته العزيزة:-

القصة والرواية تشتركان في شرط مهم لتكتمل فصولهما..

1- البداية: وفيها يتم التعريف بأبطال العمل ويحدد الأرضية التي سنعايش أحداث العمل من خلالها.
2- المشكلة: وفيها نتكلم حول الرسالة التي نريد إيصالها.
3- الحل.
4- الخاتمة.

أذكر جيدا أنني لم أكتب شيئا مفيدا إلا بعد تلك الحادثة بسنوات، لا تزال كلماته ترن في رأسي كلما أدرت لوحة الأزرار لأكتب شيئا (رحم الله جدي والقلم وأيامه)، فأرسم لنفسي طريقا يمر عبر المحطات التي حددها ذلك الدكتور الجميل كي لا يراها – بالصدفة التي لا تحدث إلا معي – ويشعر بأنه ينفخ في قربة مقطوعة…!!

هناك فن دخيل على عالم الأدب يسمى “الرواية الحديثة”.. ربما لا يعترف بي الكثيرون كاتبا جيدا، لكنني أعتقد في قرارة نفسي بأني ذواق جيد، في الحقيقة أنا ذواق مرّ مخضرم، من الصعب أن يمر بي شئٌ أقرأه وأعجب به وأدعه يمضي مرور الكرام.. هذا يتحدى قدرتي على المقاومة، لكنني لم أتذوق يوما أي سكر في حنظل الرواية الحديثة، في الحقيقة كنت إذا ما لمست أن الكتاب الذي في يدي يحوي هذه المتاهات أرمي به وأنفض يدي منه كأن العقارب خرجت منه لتقتنص أناملي..

كلما شكوت لأحد المثقفين ساعات أضعتها في أدغال كتاب لم أخرج منه بشئ، لمعت عينه كقرصان وصل إلى شواطئ الهند وهتف: هذه هي الرواية الحديثة…!!

في هذه الروايات المعقدة على الفهم أجد أن عقدتي القديمة تتجلى من جديد لترسم في الأفق كلمات الدكتور التي وجدتها فيما بعد في كتاب (كيف تكتب الرواية) لجابرييل جارسيا ماركيز صاحب تحفة (مائة عام من العزلة)، دائما هناك دعامة من تلك الدعامات الأربع مفقودة، في الرواية الحديثة يدخل البطل فجأة لتبدأ المشكلة ويبدأ في البحث عن حلول لها، ثم تأتي الخاتمة مخيبة لآمال القراء حين يتركها مفتوحة.. ليس لتستنتج أنت ما قصد، بل ليجعل من ساعات قراءتك عذابا مقيما لا يؤتي ثماره أبدا، هناك طائفة أخرى من الكتاب تصر على عرض المشاكل في العمل دون حلول، والخاتمة – كالعادة – ليست بالشئ الذي يستحق القلق…!!

وسؤالي هنا.. كيف تميزت؟.. ما الذي قدمته من خلال عمل استهلك آلاف الرزم من الأوراق وألبومات الأغلفة؟.. ما كنه الرسالة السرية التي أردت توجيهها ولم يفهمها معشر البشر ممن لا يفهمون شيفرة دافنشي الخاصة بك؟!!

بمناسبة “شيفرة دافنشي” رائعة المدرس المتقاعد “دان براون”.. فقد كتبت تلك الرواية لتتناسب مع الشكل العصري للرواية، أي أنها كتبت بطريقة الرواية الحديثة التي أتكلم عنها.. لكن ليس تماما، في هذه الرواية يدخل الكاتب أروقة الفاتيكان ويواجه ألغازا لطالما كانت مثارا للجدل بين الكاثوليك والبروتستانت، بالنسبة لنا كأمة تجهل تلك المعادلات الطائفية المسيحية التي أزمت العلاقة بين قوى كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا.. فالرواية عذاب مقيم لا يمكن فهمه أبدا !!.. لكن أسلوب الكاتب يعتمد في شغل دماغ القارئ للبحث عن علامات فارقة توصله إلى حلول تلك الألغاز متجنبا غضب القساوسة الكاثوليك الذين لا يريدون السماح للبروتستانت “المجددين” بالعبث في مكتبتهم لإثبات أنهم على حق.. هذا الكاتب تحدى غضب الفاتيكان وقدم للناس رواية حديثة تدفعهم للتفكير والمشاركة في فصول الكتاب الثمين دون أن تستخف بعقولهم..

ملاحظة: أنا لم أفهم رواية مسلسل “سمرقند” للكاتب الأردني “محمد البطوش”…..!!!

نستنتج من هنا أن الرواية الحديثة المعقدة العسيرة على الفهم هي إبتكار عربي بحت !!.. وهي حلقة في سلسلة طويلة لا تختلف عن باقي الحلقات “الإبتكارات” التي زينت حياتنا وجعلت لها معنى، مثلها مثل أكبر قرص فلافل وأطول سحسيلة وأفخم صحن سلطة طحينية.. وذلك الأحمق الذي حاول أن يوفق بين رأسي هويمل وصيتة في زمن تامر وشيرين…!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى