الوطني لتطوير المناهج : التجاذبات والصراع المستتر

الوطني لتطوير المناهج : التجاذبات والصراع المستتر
د.انيس الخصاونة

قبل أيام وفي بادرة محترمة قامت مجموعة من أعضاء الهيئة التدريسية في إحدى كليات جامعة مرموقة بإقامة حفل تكريمي للمديرة السابقة للمركز الوطني لتطوير المناهج الدكتورة ربا البطاينة التي تم إنهاء عملها من المركز وسط غموض حول أسباب ومسوغات هذا القرار، علما بأنها تربوية معروفة، وخبيرة متخصصة ومشهود لها لي مجال تطوير المناهج.

الدكتور البطاينة عملت بكد واجتهاد كبير ،وكانت تجسد مخزون هائل من الطاقة والديناميكية في عملها في المركز على مدار عامين كاملين.

وفي الوقت الذي لم تخفى علامات الحيرة والاستفهام على ملامح الدكتورة البطاينه وزملائها حول أسباب إعفائها من مهامها ،أو على الأقل عدم التجديد لها لدورة أخرى، فإن الحدث ليس فريدا إذ تم قبل بضعة شهور أيضا، وبشكل مفاجئ وغير متوقع ،إقالة دولة الدكتور عدنان بدران الرئيس السابق للمركز الوطني لتطوير المناهج وتعيين معالي الصديق الدكتور عزمي محافطة وسط جدل محتدم حول مناهج العلوم والرياضيات للصفوف الأساسية، وكذلك حول اختفاء أو بالأحرى حذف بعض الآيات القرآنية والرموز الدينية والقيمية والتاريخية من مناهج وكتب التربية الدينية واللغة العربية وغيرها من التغيرات.

تغيرات إدارية في المركز شملت إعادة تعيين الدكتور محمود المساد الرئيس الأسبق للمركز الوطني لتطوير المناهج مدير للمركز.الدكتور المساد سبق وان صرح غير مرة بأن كارثة حقيقية وكبيرة تنتظر طلبتنا في المدارس نتيجة تطبيق المناهج الجديدة وخصوصا في مبحث العلوم.

السؤال الذي يدور في أذهان الأردنيين يتمحور حول ما الذي يجري في مناهجنا؟ ولمن ننصت وبأي مدرسة فكرية نثق؟ وما هي الخلفيات والمنطلقات الفكرية والفلسفية للتغيير لدى القيادات والإدارات وأعضاء اللجان والهيئات الاستشارية في مركز تطوير المناهج؟ ومن هي الجهة أو الجهات التي تمتلك الشرعية السياسية والتربوية والاجتماعية لتقرير محتوى واتجاهات وتوجهات مناهجنا الدراسية؟ ومن يمتلك الشرعية ليقرر لأبنائنا حجم ومقدار الجرعات الروحية والدينية التي ينبغي أن نعطيها للطلبة الأردنيين؟ وهل تقتضي مصلحة الوطن والأجيال أن يكون هناك مرجعية أو مرجعيات أكثر تمثيلا للشعب الأردني لتقرير كم وكيف ونوع وحجم المحتوى الديني والخلقي والتاريخي والمعرفي الذي ينبغي أن تتضمنه مناهجنا المدرسية؟.

من الواضح أن التغييرات المتكررة في إدارة المركز الوطني لتطوير المناهج تعكس تجاذبات بعضها سياسي وبعضها ديني وأيدولوجي وبعضها فني وبعضها إداري ومنهجي في الكيفية والصورة التي تعطي أفضل نتاجات تعليمية وتربويه لطلبتنا.وفي الوقت الذي لا نشك ولا نشكك في مقاصد القائمين على تطوير المناهج فإننا نعتقد بأن غياب المرجعيات الممثلة للرؤيا المجتمعية الشاملة للصورة والأهداف والمهارات والنتاجات التي نريد لطلبتنا أن يكتسبوها هي التي تقف وراء حالة التوتر أو التخبط والريبة في عملية تطوير المناهج.

مقدار الجرعة من القيم الدينية والتاريخية والأخلاقية التي تحتويه مناهجنا لا يقرره نفر محدود من الإفراد مهما علا شأنهم ومواقعهم وعلمهم وزادت خبراتهم. إنها فلسفة اجتماعية متكاملة ومنظومة قيمة وتاريخية لا بد أن تتفق عليها قطاعات شعبية وتمثيلية وثقافية وسياسية واسعة تحدد إلى أين نحن ذاهبون وما هي السوية التي نريد الأجيال القادمة من الأردنيين أن يكونوا عليها.

لا يستطيع الأردنيين أن يتفهموا استقدام شركة أجنبية مثل مؤسسة أو دار النشر كولينز(Harper Collins) لتطوير مناهجنا في الأردن؟ الأردن على أبواب الاحتفال بمرور مائة عام على قيام الدولة ،ونحن نعتز بأننا من أعلى عشر دول في التعليم ،ولدينا ثلاثون جامعة وأكثر من ألف أستاذ جامعي معظمهم خبراء إقليميين وعالميين في تطوير المناهج والعلوم التربوية وخريجين أفضل الجامعات الأمريكية والعالمية لنقوم بالاستعانة بشركة أجنبية لتطوير مناهجنا يا عيب الشوم!!

مناهجنا ليست ملكا لفكر أو تيار سياسي معين.لا مكان للعلمانيين أو المتزمتين أو المنبهرين بالسيطرة الأمريكية والمهرولين للتطبيع مع الكيان الصهيوني والتجرد من قيمنا الدينية ورموزنا الحضارية والتاريخية والنضالية.ما المشكلة في إبراز صور الإسلام ورجالاته ومواقفه؟ ما المشكلة في إبراز تضحيات الشهداء أمثال كايد العبيدات ووصفي التل وهزاع المجالي وفراس العجلوني وسالم الخصاونة وموفق السلطي وناصر الخوالدة ومعاذ الكساسبة وغيرهم!
تطوير المناهج ضروري ومهم ويمكن أن لا يخضع تطوير مناهج الفيزياء والرياضيات مثلا للخلاف والاختلاف في القضايا والجوانب المعرفية ،ولكن عندما يتعلق الأمر بالجوانب الأخلاقية والدينية والقيم الاجتماعية فعلى الدولة أن تشكل أطرا مرجعية تمثل كافة قطاعات المجتمع واتجاهاته لتحدد الاتجاهات والتوجهات العامة للأردنيين والمآلات النهائية التي نرغب بأن تكون عليها الأجيال القادمة.صحيح أن تغيير وتطوير مناهج الرياضيات والعلوم يسهم في تطوير الإبداع وتشكل مفاتيح للنهضة والتطوير والتجديد في مجالات التكنولوجيا المختلفة،لكن ذلك وعلى أهميته الكبيرة لا يسهم بتكوين وتشكيل الذهنية والشخصية والسلوك بقدر ما تساهم به مناهج التخصصات الإنسانية والاجتماعية كاللغة العربية والتربية الدينية والتربية الوطنية والتاريخ وغيرها من التخصصات الإنسانية.

من غير المعقول أن يكون المركز الوطني لتطوير المناهج بعيدا من الناحية الإدارية والهيكلية عن وزارة التربية والتعليم، وعن المجلس الأعلى للتربية، وعن ممثلي الأمة، وعن النخب السياسية والمجتمعية. منهجية تطوير المناهج وذراعها المركز الوطني لتطوير المناهج ولجانه المختلفة وإدارته وارتباطه الإداري تحتاج جميعها إلى إعادة نظر…نقاش وطني موسع وربما مطول يجب أن يسبق عملية الانخراط في تطوير المناهج…والاهم من ذلك كله تجنيب مدارسنا ومناهجنا وطلبتنا الميول والاتجاهات الايدولوجية والفكرية للقائمين على التطوير يجب أن يكون هدفا مقدسا.المناهج والتعليم هي استثمار في المستقبل وينبغي أن نحرص أن يكون هذا الاستثمار مجزيا من النواحي الوطنية والإنسانية والحضارية.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق