المنجّم

[review] قصة قصيرة

الدّنون) هو لقبه ُ لا افهم له معنى ولا ادرى ما هى الاسباب التى دعت الجميع لالصاق هذا اللقب به، الا اننى بلا شعور بدأت اناديه ايضا (الدنون). تراه ساهما ً على الدوام فى شبه ذهول. سارح الافكار دونما مظاهر انه يفكر حقا. مهتما فى اتفه الاشياء دون ان يفهمها او يفهم شيئا ً. يضحك فى خشونة فى وقت الدمعة. ولم اره باكيا ً فى يوم ٍ ما افسره على الدوام بانه موت احساسه. مومن دائما بالخرافات. والغيبيات وكلام الابراج فى الجرائد والمجلات فلو قرأ فى يوم واحد عشرات الابراج فانه يختار ما يناسبه ليصبح هذا برجه بالتالى. عندما يخاف يزداد ايمانه بالخرافة. يبتسم دائما قليلا لنفسه كانه ساحر كاذب. مولع بالمظاهر امام جبن النساء. ولديه ادعاء بالمعرفة اقرب ما تكون اتصافا ً بالجنون. جرىء احيانا ً فى المواقف التى لا تحتاج الى جرأة quot;انما اقدام لعدم تقديره للمسؤوليهquot; ويعمل كل شىء ومصيبته انه لا يتقن شيئا. ربما تخدمه الصدفة مرة او مرتين فيزداد ادعاؤه بالمعرفة واقترابه بعد ذلك الى مرحلة الهوس.

قصير ُ نوعا ً ما. مع ثقل ظاهر بالوزن. له اذنان صغيرتان صغرا بينا ً تكادان تختفيان اختفاء تاما ً تحت خصلات شعره المسترسل. يحتضن الى صدره دائما ً مذياعه الذى يعشقه الى درجة الجنون والغرابه. هو لديه اغلى من كل شىء. ويكاد يصرف لاجل اصلاحه كل راتبه. ومع كل ذلك عليك ان تعرف انه انسان طيب القلب جدا ً تسلبه ُ لقمته دون ان يشكو او ان يتذمر يحب ُ من يخدمه مرة واحدة حبا ً جما ً ويحقد ُ حقدا ً اسودا ً على من يسخرُ منه. انما لا يؤذيك بحقدة. كما لا ينفعك بحبه. صريح ُ فى هذيانه ويندفع احيانا فى حبه نحوك اندفاعا مزعجا ً كالذباب الكبير الذى لا ينفكُ يلاحقك فى حقد وغباء.

مصيبتة عقله. لكنه ليس مجنونا ً الى درجات الجنون الفعلى. وليس سليم المدارك الى درجة المزاملة. مخلص فى عمله ويتقنه ولا يشكو التعب فجسمه الصغير قوى يتحمل كل شىء الا السخريه منّه وايمانه بالخرافات والسحر.

سمعت ُ عنه الكثير قبل ان اراه. اذ كان يعمل في بيت قريب لى ثم تركه ليعمل فى بيوت احد الاغنياء. كان يحب السفر والرحلات والاغانى الاجنبيه الصاخبة دون ان يفهم منها شيئا ً او حرفا ً واحداً. او ان يقدر قيمة الرحلات للتمتع بها يجمع النقود ثم لا تراه الا مسافراً الى بلد ما ويعود بعد ذلك فارغ الجيوب باحثا عن عمل ما فى احد البيوت.

عندما عملت ُ معه للمرة الاولى تراجعت امام عناده فى اطاعة الاوامر الصادرة اليه من ادارة الفندق الذى كنت اديره. كان يحلو له العمل فى غرف الفندق بطريقتة الخاصة. ولم اثر معه اية مشكلة لاننى موظف جديد فى مكتب الاستقبال وحين شكوتة للمدير اخبرنى بكل شىء عنه فاكتفيت ُ بمراقبته وتقييم اعماله. وقليلا قليلا نشأت بيننا علاقة العمل فاذا بى احبه لاخلاصه بالعمل وانضباطه فى مواعيده واجد فيه احيانا مادة مسلية فى فترات الملل والعمل المتراكم. فحين تعز النكته ارسل اليه ليحدثنى احاديثا بلا معنى فابتسم قليلا واصرفه الى عمله.

-2-

كان يقيم فى الفندق رجل له وزنه المالى والاجتماعى. كبير السن له اعتباره واحترامه بين اقرانه ومعارفه. اعزب لم يتزوج لظرف ما لم نعرفه جارت عليه الايام بعد عز قل نظيره فتقاعد عن العمل وابتعد عن الاهل فاستاجر فى الفندق غرفة.

كان طيب القلب سخى العطاء حين يمتلك. ولذيذ الحديث وواسع المعلومات. انيق الهندام دائما ً احبه كافة موظفى الفندق لانة الصورة الثابتة فيه وكنّا نحدثه عن مشاكلنا مع المدير ومع الزبائن. وكان طيباً جداً معنا. لا يكاد يفارق غرفته اثناء النهار الا مساء كل يوم حين يبدأ التلفزيون فى البث. اعتدنا على كرمه فعند احتياجنا الى نوع من الطعام نذكره امامه فيحضره لنا او يبتاع المواد الاوليه لنا ونقوم جميعا ً فى اعداده.

اصبح بالتالى صورة مالوفة لزبائن الفندق. ولقد عقد صداقات عديدة مع الزبائن والزوار حتى انه ليعرفهم اكثر منى انا موطف الاستقبال فى الفندق.

3

ربطته مع الايام والدنون علاقة غريبة جدا ً ,, احيانا يتحدثان عن السحر والشعوذه ومناقشات عن اعمال الجن الدنون فى جدية تامه (وابو فواز ) وهذه كنيته فى مزح وضحك وتصل المناقشات احيانا الى درجة الغضب الحقيقى والمقاطعة العلنيه. وكان ابو فواز يمنحه كثيرا من النقود شفقى على حالته ولكى يعتنى فى نظافة غرفته. غير ان الدنون كثيرا ما كان يرفض العطاء منه لاعتقاده الصارم ان نقود (ابو فواز ) بها سحر وانها مسكونة بالجن وغير مباركة. فاحاول انا اقناعة بكافة السبل. فياخذ ها مرة ويرفضها مرات.

كان يخافة احيانا الى درجة شديده وكانت تصل به الكراهية به الى حد الحقد الذى يكهرب الجو فجأة الى نوع ٍ من الكراهية والمقاطعة فلا ترتيب غرفة لا حديث كل طلباتة مرفوضة او مجابة ُ دون كلام. وكنت اراقب ذلك النزاع فى سخرية اول الامر حتى ضقتُ ذرعا ً وبدأت اشعر بأن العملية كما يقال (قد زادت عن الحد)

تزوج الدنون فجأة. كان فقيرا ً ومعدما ً لا يمتلك من النقود ثمن العشاء فكيف تزوج؟؟ اين يسكن؟؟ وكيف سيدفع ايجار البيت. لا اعرف وحين كنت ُ اساله كان يجيب فى خشونة (انا الدنون لقد سحرتها )) ويبتسم فى بلاهة.

واستمر بعد زواجه يعمل ُ فراشا ً فى الفندق براتبه الضئيل وبرفضه المطلق لاية صدقة او بقبوله بقايا طعام الزبائن.

كان سعيدا ً اول الامر فى زواجه. ثم بدأت تلوح عليه اثار الغضب والمعاناة وكنت اظن اول الامر ان هذه الحالة نتيجة حتمية لفقره وضيق ذات اليد معه فاذا بى اكتشف ان غضبه منصب ُ على (ابى فواز ) لانه كما يعتقد قد بداء يفسد ُ العلاقة بينه وبين زوجته مع ان ابا فواز لم يرها او يتعرف عليها ابدا ولكن الدنون كان يقول دائما (انه هو. لقد ارسل شيطانه الى بيتى لافساد زوجتى عنى، لقد احرق ثلاجتى)

اصبح الدنون يعزو كل خراب في بيته وفى الفندق الى ابى فواز. وحتى عندما اشترينا للفندق (التلفزيون الملون ) وتعطل لاكثر من مرة (وكان العطل من الجهاز نفسه ) كان الدنون يقول ( تنبه هو لا غيره شيطانه لا يحب الالوان ) وذات يوم اصلحنا التلفزيون. فقال لى الدنون (سوف يتعطل بعد ثلاثة ايام. وتعطل التلفزيون فعلا فى اليوم الثالث. فقال لى (ارايت اننى المنجم. واعرف انه هو لا غيره اساس الخراب هنا ) ويضحك ابو فواز حين تحدثه عن ذلك قائلا : مجنون.

وكان الصراع بينهما عنيفا ً وقناعة الدنون فى وجود شياطين لابى فواز تكبر ايضا. وذات يوم قررنا فى الفندق طلى جدران كافة الغرف. ورفض ابو فواز ان ندهن له الغرفة لانه كبير السن ولا يتحمل رائحة الدهان فقال الدنون فورا ً (لان شيا طينه لا تحتمل رائحة الدهان ) وقال لى الدنون ذات يوم ( لقد سلكت معه شتى الطرق لكن شيطانى لم يقدر عليه، غير انى اعرف انه سيموت فى مطلع العام القادم. وكان الوقت اوائل الصيف .

وكلما عجز الدنون عن شىء ضده كان يقول له علانية (اعرف انك سوف تموت فى مطلع السنة القادمه) فيضحك ابو فواز ويطلب منه فنجان قهوة. فيقدمه له ويحدق فيه فى شراهية عجيبة قائلا (مطلع العام القادم )

4

لم يكن الدنون فى يوم من الايام فرحا ونشيطا ً مثلما كان فى ليلة راس السنة قلت له (اراك على عادتك فرحا ونشيطا ً ) قال سعيدا .(لقد اقترب موعدى) قلت له وقد تناسيت كل احاديثة الخرافيه القديمه (اي موعد) قال لة فى هذا الشهر سوف يموت ابو فواز …لقد قالت لى الشياطين ,, انا اعرف انا منجم)

مرالشهر الاول. كان ابو فواز قويا ً. صحته كالعاده ينزل كل مساء الى قاعة الفندق. يراقب الاخبار. يسهر قليلا معنا ثم يأوى الى غرفته. كنت الاحظ ارتجاف يديه عندما يشعل سيجارة او يرتشف فنجان قهوته.

وعندما مر الشهر الاول من العام قلت للدنون ساخرا (اين شيطانك ايها المنجم. انه لم يمت )) كنت اسخر منه امازحه. لكنه ُ كان يقول لى فى كل جدًيه (سوف يموت قريبا ً. ان شيطانى لا يكذب )

وذات يوم واثناء عودتى من اجازتى الاسبوعيه فوجئت بكافة موظفى الفندق واقفين فى صمت غريب امام مكتب الاستقبال سألتهم ( ماذا جرى؟ )

(لقد مات ابو فواز فجأة. اصيب بجلطة قلبيه نقلناه الى المستشفى ولكنه مات اثر وصوله )

وذهلت اول الامر. حزنت ُ ولكننى ادركت ُ ما تفعله الشيخوخة فى رجل فى مثل عمره.

واطل الدنون بعد لحظات. لم يكن حزينا ً مثل بقية الموظفين واقترب منى قائلا (الم اقل لك ان شيطانى اقوى وسوف يقتله )

نظرت الى عينيه فى استفهام وخوف من جريمة مدبرة. ولكننى اكتشفت ُ فى اعماقهما غباء مطلق. لا شىء سوى الغباء؟

انتهت

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى