الطائرات الورقية تستنفر اسرائيل

سواليف

في منزل قريب من حدود وسط قطاع غزة مع إسرائيل، يفترش خمسة شبان يرتدون أقنعة “فانديتا” الأرض، وتحيط بهم عيدان وأوراق بيضاء وقنينة “مواد مشتعلة”، وإلى جانبهم “طائرات ورقية” صنعت للتو.
صناعة طائرات ورقية لغرض اللهو لا يحتاج إلى “احتياطات أمنية” تستدعي إخفاء الشبان وجوههم، لكن ربط علبة معدنية داخلها قطعة قماش مغمّسة بالسولار في ذيل الطائرة، حوّلها إلى أداة مقاومة تستنفر الاحتلال.

بمجرد انتهاء الشبان من صناعة “طائرة ورقية”، سارعوا لاختيار منطقة حدودية بعيدة عن دوريات جيش الاحتلال، ثم أشعلوا النار في “الحارقة” المثبتة بذيلها، ووجهوها “بالخيوط” إلى أراضٍ زراعية قريبة من مواقع عسكرية إسرائيلية، وقطعوا الخيط، فسقطت “الطائرة الحارقة” وأشعلت النيران.

ما إن اشتعلت النيران داخل الحدود حتى رُسمت ابتسامة عريضة على وجوه الشبان، ثم علت ضحكاتهم الساخرة من الاحتلال، وبالنسبة لهم حققوا هدفهم في “إيلام” الاحتلال، وإشغاله عن الشبان المتظاهرين، وهو ما سيدفعهم لتكرار ذلك، وفق “حازم” (اسم مستعار).

أبناء الزواري
“طائرة ورقية تحمل في ذيلها شعلة نار تسقط في أرض العدو وتحرقها”، بهذه الكلمات يصف الشاب “حازم” (أحد من أطلقوا على أنفسهم “أبناء الزواري”) ما يصنعونه في إحدى “خيام العودة” شرقي مخيم البريج للاجئين وسط القطاع، وهو يرتدي قناعًا أبيض.

و”الزواري” طيار تونسي أشرف على مشروع تطوير طائرات بدون طيار لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، واغتيل أمام منزله بمدينة صفاقس التونسية في 15 ديسمبر/كانون الأول 2016، واتهمت القسام إسرائيل باغتياله.

ابتكار “الطائرة الحارقة” كان وسيلة تُعبّر عن ثورة الشبان في وجه الاحتلال، كما يقول الشاب حازم، واهتدوا لها بعد ملاحظتهم طائرة ورقية في السماء تجتاز الحدود، في وقت لا يستطيع فيه الشبان على الأرض إلقاء “المولوتوف” على جنود الاحتلال لبعد المسافة.

“أفعالنا تتحدث”
“نحن لا نُعلن عن أسمائنا أو صورنا، لكن أفعالنا تتحدث عنا؛ أحرقنا اليوم والأيام الماضية مئات الدونمات الزراعية للاحتلال شرقي المحافظة الوسطى، وأربكنا الجنود والإطفائية، يقول الشاب العشريني للجزيرة نت.

ويدور حديث عن إمكانية استهداف الجيش الإسرائيلي الشبان حال معرفة هوياتهم، وهو ما حدث قبل أيام -وفق الشبان- إذ أطلق الجيش النار باتجاههم أثناء ارتدائهم الأقنعة، لكن أحدًا منهم لم يصب بأذى.

ومنذ الثلاثين من مارس/آذار الماضي، يتجمع آلاف الغزيين في خمسة مخيمات نُصبت على الحدود الشرقية للقطاع، في ما يُعرف بـ”مسيرة العودة الكبرى”، بدعم من الفصائل، للتأكيد على حقهم في العودة إلى ديارهم، ولإفشال مخططات تصفية قضيتهم، لا سيما في ظل حديث متزايد عن “صفقة القرن”، واستشهد خلال قمع الاحتلال تلك المسيرات العشرات، وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف آخرين.

إدخال “الطائرات الورقية” في المقاومة الشعبية كان بهدف إشغال القناصين الإسرائيليين المتفرغين لقتل المتظاهرين الفلسطينيين على الحدود، لكن ذلك تطور إلى إرباك سلطات الاحتلال على أكثر من صعيد، كما يقول بعض من يقفون خلف هذه الوسيلة المقاوِمة الجديدة.

ووفق صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي يبحث عن حلول لهذه الظاهرة التي تسببت في احتراق عدة حقول، ودعا مزارعي مناطق “غلاف غزة” لتوخي أعلى درجات الحذر، والإبلاغ عن أي طائرة ورقية في الجو.

وفي أكثر من مرة قصف جيش الاحتلال نقاط مراقبة حدودية للمقاومة الفلسطينية ردًا على إحراق شبان أراض زراعية إسرائيلية بطائرات ورقية، ووفق متظاهرين، فإن الاحتلال يريد إخماد الحراك السلمي باختلاق مواجهة مسلحة مع الفصائل الفلسطينية.

تحضير وتأييد
ولم يقتصر الأمر على “النواة الأولى” لصناعة “الطائرات الورقية الحارقة”؛ إذ استلهم الشبان في مناطق متعددة الفكرة، ويعدون لإطلاق العديد منها خلال الأيام المقبلة.

وانتشرت على عدد من الحسابات بمواقع التواصل الاجتماعي في غزة طريقة تصنيع الطائرة الورقية الحارقة، لحث مزيد من الشبان على صناعتها، واستخدامها خلال التظاهرات المطالبة بحق العودة.

في “مخيم العودة” شرقي مدينة خانيونس المتاخم للحدود مع إسرائيل، يغلق ستة شبان خيمة على أنفسهم، وينهمكون في صناعة أكثر من طائرة ورقية يحمل معظمها علم فلسطين.

ويعمل الشبان، الذين يتلثمون بالكوفية الفلسطينية، على تحضير نحو عشر طائرات ورقية لاستخدامها يوم الجمعة المقبل (جمعة الأسرى والشهداء)، لإحداث حرائق وإشغال الجنود الإسرائيليين عن قنص المتظاهرين.

لا يرغب هؤلاء الشبان في مقابلة الصحفيين، ولا الاختلاط مع المعتصمين في الخيام خلال عملهم، لكن الناس من حولهم يؤيدونهم ويرون فعلهم وسيلة جديدة في المقاومة الشعبية.

بعد كثير من عبارات التأييد للخطوة، يقول أنس خليل، وهو يجلس قريبًا من خيمة صُنّاع “الطائرات الورقية الحارقة”، إنها وسيلة فعّالة في إحداث خسائر في الاحتلال، والمحافظة على حياة الشبان الذين يطلقونها من مناطق قد تكون أكثر أمانًا من الحدود.

وبينما وصل الشاب “عمّار” إلى “المخيّم” قادمًا من مواجهات مع جنود الاحتلال قرب الحدود، قال للجزيرة نت إن “الفلسطينيين لا يعدمون الوسيلة في مقاومة الاحتلال شعبيًا أو عسكريًا، وقادرون كل يوم على ابتكار وسيلة تُنغّص حياة محتليه”.

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق