فلاح المدادحة يجسّد شخصية الوزير وحفظ الكرامة الشخصية

فلاح المدادحة يجسّد شخصية الوزير وحفظ الكرامة الشخصية
موسى العدوان

في كتابه ” أوراق مطوية ” ،يسرد السفير السابق عمر المدني القصة التالية وأقتبس :

” عيُّن السيد بهجت التلهوني رئيسا للوزراء لأول مرة في شهر آب عام 1960، وكان من بين الوزراء في حكومته فلاح باشا المدادحة والمرحوم محمد أمين الشنقيطي، وكان هؤلاء وزراء عندما كان التلهوني قاضيا.
وبعد مرور شهرين جاء التلهوني للملك حسين وقال له : يا سيدي أنا لا أستطيع أن أقوم بمهام رئيس الوزراء، وعندي الشيخ محمد الشنقيطي وفلاح ياشا المدادحة، وكلاهما كانا وزيرين عندما كنت قاضيا صغيرا. فقال الملك : قدّم استقالة حكومتك وسأعهد إليك بالتكليف مرة ثانية.

جاء الوزراء مع رئيسهم إلى الديوان الملكي وقدموا استقالاتهم من الحكومة. ثم نزل فلاح باشا ومعه الشيخ محمد الشنقيطي. فما أن وصلا إلى آخر الدرج، التفت وراءه فلاح فلم يجد أحدا من الوزراء المستقيلين. وكان رئيس التشريفات إكليل الساطي على يقف على الباب، فقال له يا إكليل وين أبو عدنان والجماعة ؟ فأجاب : أن سيدنا استبقاهم لتأليف حكومة جديدة.
فعاد فلاح والشنقيطي إلى حيث كان الملك والوزراء، وبعد السلام قال فلاح موجها كلامه للملك: يا سيدي الله يطول عمرك، أنت تعودت عندما تكون الطريق وعرة ولا يمكن ( لعربايتك ) السير فيها تقول : جيبوا ها الكدش تجر العرباية، وتجي الكدش وتجر العرباية اللي أنت فيها.

وترى عرقها يتطاير، زبَدْها يملأ الجو، نفاخها زي كور الحداد، ولما تصل عربايتك للأرض السهلة تقول : سرّحوا ها الكدش، وأنت غير سائل عنها إن ماتت من الجوع، أو قتلها العطش، أو عدا عليها الذيب، أو اعترضها الوحش. ولكن يا سيدي طوّل الله عمرك ( الكدش اليوم صارت أصايل لا ترتضي الضيم والقهر، والسلام عليكم )، وخرج من الديوان الملكي مع رفيقه الشيخ محمد الشنقيطي.

ومرت الأيام وإذ بالسلطات السورية تعتقل خالد المدادحة – الذي كان وزيرا للشؤون الخارجية في حكومة عبد الكريم الكباريتي – فعلم الملك بذلك وقال لمن حوله : هذه فرصة نصالح فيها فلاح باشا. فهاتفه من الديوان وقال له جلالته : علمت يا باشا بأن خالد معتقل في سوربا، فهل هذا صحيح ؟ قال نعم يا سيدي فهو معتقل منذ أسبوعين. فقال جلالته : لماذا يا باشا لم تتصل وتخبرنا بذلك ؟ فقال فلاح : والله يا سيدي ( مو ) ضروري أزعج جلالة سيدنا، أنا حبيت أجرب شعور الآباء، الذين كنا نعتقل أبناءهم ظلما، في سبيل مصلحة النظام. فقال جلالته شكرا وأغلق الهاتف.

بقي فلاح باشا على موقفه فلم يدخل القصر الملكي لا مسلّما ولا معزّيا، ولا في أي مناسبة كان يُدعى لها حتى توفي. هذا النوع من الرجال الذين عايشتهم، وتعلمت منهم أن الكرامة فوق أي اعتبار، وأن فاقدها لا يغنيه كل ما في الدنيا عنها “. انتهى الاقتباس.

ومن القصص التي يتناقلها الناس عن فلاح باشا المدادحة خلال وجوده وزيرا للداخلية، أن جاءه أحدهم بمضبطة موقعة من العديد من أصحاب المصالح، طالبين منه السماح لهم بفتح ملاهي ليلية في العاصمة عمان. فما كان من فلاح إلاّ أن تناول المضبطة ووضع ( ختمه الخاص ) عليها، وليس ختم الوزارة رافضا الطلب. وعندما سئل فلاح عن ذلك الختم أجاب : ( هيك مضبطة بدها هيك ختم )، فراحت هذه العبارة مثلا يتداوله الناس تعبيرا عن الرفض.

* * *

التعليق :

1. هذه هي نوعية وزراء الأردن في أواسط القرن الماضي، إنهم يحملون نفسيات عالية، لا يداهنون ولا ينافقون، يفرضون وجودهم في وظائفهم ، فيطرحون آرائهم ويفعلون ما يؤمنون به بكل جرأة، دون انتظار للتوجيهات، مع حفظ كرامتهم أمام أي مسئول مهما علا مقامه.
2. مثل هؤلاء الرجال الذين شكلوا قدوة لمن بعدهم، أصبحنا نفتقدهم هذه الأيام، إلاّ أن ذكراهم ستبقى ماثلة في الأذهان لأجيال لاحقة عابرة للتاريخ. رحم الله فلاح باشا المدادحة ورفاقه الشرفاء، وأسكنهم فسيح جناته.

التاريخ : 12 / 7 / 2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى