الذاكرة المثقوبة

الذاكرة المثقوبة
د. هاشم غرايبه

قال لي أحدهم محاورا: هل تعتقد أن أحدا غيرنا العرب، يسرفون في استخدام ألفاظ التخوين والرمي بالعمالة أو يسبغون صفات الوطنية والإنتماء!؟.
قلت أوافقك على أن هذه الحالة وقف علينا، لكن لها سببا، وهو أننا الأمة الوحيدة التي زُرع فيه كيان معادٍ، وظيفته الوحيدة نخرها من الداخل لإبقائها ضعيفة مرتهنة لخدمة مصالح الغرب المستعمر، الذي لم تتوقف أطماعه فيها يوما في التاريخ، لذلك لم يتخل الإستعمار عن احتلالها العسكري إلا بعد اطمئن الى أنه ترك فيها محمية له، هي قلعة شديدة التحصين سماها دولة، كما استعمل على أقطار الأمة ولاة له، واجبهم الأساس حماية هذا الكيان اللقيط من أبناء الأمة الرافضين لهذا الإستعمار المغلف بغلاف خادع يسمونه الإستقلال، ليس فيه منه غير قطعة قماش ملونة ونشيد وطني خاصان بكل قطر.
كل شعوب الأرض مخلصة لذاتها، ولا تقبل التبعية لغيرها، ولا يمكن أن تقبل لها حاكما يبيع نفسه للأجنبي، أمتنا مختلفة عن أية أمة أخرى في أنها تحمل الدين، وهو منهاج خطير على أصحاب الأطماع والإمبراطوريات القائمة على استعباد غيرها، لذلك فهي مستهدفة من قبلهم بعدوان دائم، ما لم تتخل عنه، لئلا ينتشر هذا المنهج ويعمّ.
هذا الأمر ليس وهما، وليس تصورا ناجما عن فكرة المؤامرة، والأدلة على ذلك مادية وقعت، فلم تقم في أية منطقة من مناطق العالم التي يعتبرها الغرب حيوية لمصالحه مثل جنوب شرق آسيا أو أمريكا الجنوبية، كيانا استيطانيا (كإسرائيل)، ولم يهرع كل العالم لتشكيل حملة عسكرية، كتلك التي حدثت لمحاربة العراق بحجة احتلال الكويت، مع أن أقطارا كثيرة قبلها وبعدها احتلت، ولم يحدث تحالف في كل التاريخ بين كل الفرقاء كالذي حدث في ما سميت بالحرب على الإرهاب الإسلامي، فقد حدثت عمليات تطهير إرهابية في معظم أقطار العالم، حيث ذهب ضحية لإرهاب “الخمير الحمر” ثلث سكان كمبوديا، وكذلك عدة ملايين في “رواندا”، و خمسين مليونا في التطهير الستاليني وتطهير ما سمي بالثورة الثقافية في الصين، وما زال الذبح على الهوية يتم الى اليوم في ميانمار والفلبين وتركستان الشرقية ..الخ، مئات الملايين لم يتحرك لنصرتهم أحد، لكن حدثت أبشع حملة استئصالية في التاريخ ضد مسلمين تم فيها تدمير خمسة دول إسلامية (وما زالت مستمرة)، رغم أن الضحايا الذين قطع رؤوسهم المتطرفون الإسلاميون لم يزيدوا عن بضعة عشر.
هل ما زال هنالك من يجادل في أن هنالك استهدافا مؤكدا لهذه الأمة!؟.
هكذا، وبعد أن وجدنا أن تعرض الأمة للعدوان من قبل أعدائها والكيد لها بمختلف الوسائل لإضعافها، أمر حقيقي وليست خيالات وأوهاما، وعليه يكون مفهوما (وإن لم يكن مبررا) التحالف والمشاركة في هذه الحملات المتتالية من قبل طرفين هما: الطامعون وأعداء منهج الأمة التاريخيون. لكن ما هو مبررمشاركة ابن الأمة فيها؟.. فسواء كانت ضمن صيغة تحالف أو تعاون أو تنسيق أمني، هل يمكن أن يصنف بغير أنه فعل خياني؟.
ولا ينفع في درء تهمة الخيانة أو تبرير هذه الفعلة القبيحة أية حجة، سواء كانت الضعف العسكري، أوعدم القدرة على ردع المعتدي، فليس الخيار الوحيد لمن لا يملك للعدوان ردعا أن يدعم المعتدي.
وإن كان لا يرى في نفسه النخوة للإنتصار لأمته فلا يكون عونا له عليها.
لقد احتل العدو الأقصى بخديعة ما سميت نكسة 67، وكان الأولى بالمسلمين استرداده، لكنهم بدلا من ذلك أقروا له به بالتطبيع، وأقاموا معه معاهدات سلام لمنع المجاهدين من استرداده.
المسلسل ما زال مستمرا، ومقدمة للإستيلاء على الحرمين، ها هم أعداء الأمة باشروا بتأسيس قاعدة تطبيعية لهم على الخليج العربي، كموضع قدم في الجزيرة العربية التي حرمها رسول الله عليهم، ومرحلة أولى تتبعها مراحل مرسومة.
المؤمن ليس فقط من أدى الطاعات، بل من لقي الله بقلب سليم، ومن سكت عن منكر عظيم مثل ما نراه من تكالب أعداء الأمة عليها، فهو آثم قلبه.
ليحذر كل امرئ على نفسه من أن يموت على شعبة من شعب النفاق ويلقى الله وقد حبط عمله.
وأضعف الإيمان أن يستنكر أفعال الخائنين ولا يكون شريكا لهم بتبرير أفعالهم أو الدفاع عنهم.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق