الحياة مدرسة الحياة مدرسة

الحياة مدرسة
د. هاشم غرايبه

من أهم ما يميز البشر هو تزايد المخزون العقلي المعرفي مع التقدم في العمر، بينما نرى جميع الكائنات الأخرى تأتي الى الحياة ومعها حاجتها المحدودة من المعرفة والتي تكفيها لأداء مهامها، وتبقى هذه المعارف الفطرية ثابتة لا تزيد ولا تنقص، وقليل منها تزداد مهاراتها قليلاً بتدريب الإنسان لها.
اكتساب البشر المعارف زيادة على تلك الفطرية منها يبقى في تزايد مع التقدم في العمر، ويتحقق بعدة وسائل، منها الخارجي كالتعليم والتربية والتدريب، ومنها الذاتي كالتجريب والتأمل والملاحظة، ومنها ما يجمع بين الوسيلتين كالمطالعة لاستيراد خبرات الآخرين وحكمتهم، واختزانها لتزيد الرصيد المعرفي أو تُطوِّره.
هذا التركيم الكمي والنوعي هو أهم نشاطات العقل، لذا تتفاوت القدرة على ذلك فرديا بحسب مستوى الذكاء والثقافة، والفرص المتاحة، والبيئة، غير أن ما يحتاجه الإنسان العادي من ذلك للحياة الطبيعية لتدبير أمور معيشته أو تحسينها قليل، فمن يحتاجون لكمّ كبير هم العلماء والحكماء والمفكرون، لذلك كان هؤلاء قلة في المجتمع.
لقد خلق الله الكون ليعمر، وجعل سنّة التدافع لبقاء الحياة هكذا ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ” [البقرة:251]، فخلق حياة الناس محكومة بتناقضات منضبطة بدقة لتسير الحياة، فلا يفسد سيرها التروي والحكمة المفرطين من جهة، ولا النزق والطيش من الجهة الأخرى، كما جعل النقائص في النفس البشرية مثل الإعتداد بالنفس والشك بنوايا الناصح حائلا دون الإستفادة من تجارب الآخرين أو التعلم من أخطائهم، فأصبحنا نرى الأجيال المتعاقبة تكرر الأخطاء ذاتها، وينطبق ذلك على الأفراد والمجتمعات، وهو ما جعل لمقولة “التاريخ يكرر نفسه” مصداقية واقعية، رغم أنه حقيقة ليس كذلك، فالزمن لا يسير بشكل دائري، بل في اتجاه واحد ولا يتوقف ولا يعود الى الوراء.
تتجلى حكمة الله في ذلك أن وصول الإنسان الى درجة متقدمة في الحكمة، لا يمكن أن يتحقق الا في عمر متقدم، وعندما لا يكون لديه متسع من الوقت لتغييرات جذرية في حياته، فتكون حكمته لنفع غيره، لأن أغلب القرارات الهامة في حياته (مثل اختيار المهنة والزواج والصداقات) يتخذها في وقت مبكر من حياته.
لو افترضنا أن هذه الحكمة ظلت تنتقل من كل جيل الى الذي يليه، بشكل تراكمي، لتكوّن لدى الجنس البشري حكمة بالغة في بضعة قرون، فوصل في زمن ما الى مرحلة المعرفة الكاملة لكل ما يعتور الحياة البشرية، وعندها تنكشف الحجب أمام بصيرته، بعد إذ يعرف شيئا من سنن الله في تصريف الأقدار، فتتاح له الفرصة للتنبوء بالغيب.
لكن ذلك لا يحدث، لدرجة أن هنالك ممارسات معتادة، وأخطاء مكررة، ثبت خطؤها، وتأكد ضررها، لكنها تبقى سمة لازمة لتصرفات البشر، ومثالا على ذلك مقولة: أن الصدق منجاة، فهي معلومة شائعة معروفة، لكن أغلب الناس لا يعمل بها، رغم قناعتهم أنها صحيحة، ويعلمون بتجاربهم أن الكذب مكشوف لا محالة، فلا يغطيه إلا كذبة أخرى، وفي نهاية المطاف ستكتشف ولو كذبة واحدة في هذه السلسلة، فتنقطع وينفرط عقدها، فتتساقط الحبات جميعا، ورغم أن عاقبة الكذب وخيمة في جميع الحالات، إلا أن أحدا لا يتعظ بسوء عاقبة من سبقه، بل يعتقد أنه أمهر منهم، وان كذبته محكمة وستنجيه من عاقبة ما فعل، فيقع في الخطأ ذاته.
لا شك أن لله حكمة بالغة من جعل الآمور هكذا، فهو قد أعطى الإنسان آلة ثمينة جدا هي العقل، وقيمتها العالية جاءت من أن قدراته هائلة، رغم أنها على عظمها تبقى محدودة، فلا يمكنها الوصول الى المعرفة المطلقة ولو امتد العمر بالإنسان ألف عام، بأن جعل القدرات العقلية في نقصان مع تقدم العمر الى أرذله: “وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا” [النحل:70].
طالما أن الإنسان لن يلم بالحكمة الكاملة في حياته القصيرة، فليستفد من الآلة الثمينة في حياته بتحسين ظروف حياته الدنيوية المؤقتة، لكن المكسب الأعظم هو ان توصله الى معرفة الله واتباع منهجه، فينفعه ذلك في حياته الأخروية الأبدية.
الحياة مدرسة، النجيب فيها هو من يتخرج منها بنجاح الى الآخرة، والمهمل من يقضيها في اللهو، فيشقى في الآخرة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق