الإشاعة ووزارة الأوقاف!

الإشاعة ووزارة الأوقاف!
د. مفضي المومني

قبل يومين وفي اربد وبالذات على دوار المدينة الرياضية، لاحظت تواجد أمني وتعطيل لعملية السير! وقلت في نفسي هذه هي كمائن الأمن العام التي تنتشر في كل مكان، وتستوقفنا على الطالعه والنازله حتى أن الأمر صار مزعجا، إذ يمكن أن تستوقفك دوريات الأمن العام أكثر من مرة في نفس المسار!، المهم تبين أن الأزمة مفتعلة لتمكين رجال الأمن العام من توزيع منشور عن الإشاعة، والمفاجأة أن المنشور صادر عن وزارة الأوقاف، ولاحظت أن الأخوة من رجال الأمن يريدون التخلص من المنشورات حيث اعطوني رزمة فيهامن ذات المنشور! وهنا سألت نفسي لماذا وزارة الأوقاف؟ وليس وزارة الإعلام ومؤسسات الإعلام الحكومية وغيرها من الجهات الملزمة بتوجيه الرأي العام؟ أو وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي والجامعات والمعاهد وغيرها، ثم ان دور وزارة الأوقاف قد يكون مؤثراً من خلال المساجد وخطب الجمعة المقررة سلفا! مع ان تقرير موضوع الخطبة للأئمة لم يؤدي غرضه، فبعضهم يخطب ما يريد ثم يمر مرور الكرام على الموضوع الذي توزعه وتفرضه وزارة الأوقاف من باب رفع العتب والمسائلة! وبعضهم يفتي بأمور فنية لا يفقهها مما يجعل الخطب ركيكة ولا تطاق ومثال ذلك حديث الخطباء عن (البيئة والتلوث وغيرها من مواضيع بحاجة لمتخصصين)، وبعضهم يتمرد على ما هو مطلوب ويخطب بما يعاكس طلب الوزارة، والله من وراء القصد.
اما موضوع الإشاعة فتعرف الإشاعة حسب موسوعة ويكبيديا:(الإشاعة هي خبر أو مجموعة أخبار زائفة، تنتشر في المجتمع بشكل سريع و تُتداول بين العامة ظناً منهم على صحتها، و غالبا ما تكون هذه الأخبار شيقة و مثيرة لفضول المجتمع والباحثين، و تفتقر هذه الإشاعات عادةً إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحة الأخبار، وتمثل هذه الشائعات جُزءاً كبيراً من المعلومات التي نتعامل معها . وفي إحصائية فإن 70% من تفاصيل المعلومة يسقط في حال تم تناقلها من شخص إلى شخص حتى وصلنا الخامس أو السادس من مُتاواتري المعلومة ! )
وللإشاعات أهداف ومآرب , تتنوع من إثارة الإشاعات تماشياً مع مبتغيات من يثيرها , فمنها ما هو ربحي (مادي) لترويج بضاعة أو تقليل قيمة بضاعة رائجة وضربها. وهنالك أهداف سياسية للإشاعات تثار بين الدول أو على مستوى عالمي لدعم سياسات قوى كبرى، أو تمهيد لأطراف لجعلهم يتقبلون ما لا يتقبلونه في الأوضاع الطبيعية، أي توجيه الرأي العام باتجاهات أهداف من يثير الإشاعة سواء كانت دول أو افراد أو حكومات أو مؤسسات أمنية وغيرها! وعادةً ما تحصل هذه الإشاعات في الحروب أو في الحالات الأمنية أو الإقتصادية غير الإعتيادية، أيضاً هنالك إشاعات لا هدف لها غيراللعب واللهو أو الشهرة مثل الإشاعات حول المشاهير أو السياسيين مثل ما حصل من أيام قبل التعديل الوزاري الأخير من طرح أسماء وقوائم للوزراء المنتظرين أو الخارجين، وقد تكون صادرة عنهم للتذكير بأنفسهم لدى صاحب القرار أو لحرقهم بلغتنا المحكية او تقليل فرصهم وغير ذلك من الألاعيب، وهنالك شائعات يصنعها المجتمع بنفسه خصوصاً للأمور المزمع أو المترقب حدوثها، وذلك بكثرة ترديدها و السؤال عنها وتخليق قصص وروايات مختلفة عنها، مثل قصص غلاء الأسعار أو زيادات الرواتب أو تشكيل الوزارات وغيرها، ولا ننسى في حالتنا الأردنية استخدام الشائعات من قبل الحكومة والمؤسسات الأمنية من خلال تسريب أخبار منتقاة لجهات صحفية بذاتها! من أجل توجيه الرأي العام بقبول قرارات سياسية أو إقتصادية، ومثال على ذلك عندما أشيع من فترة أن سعر أسطوانة الغاز سيصل خمسة عشر دينارا، أو عشرة دنانير مع أن الحكومة تنوي رفعها إلى سبعة دنانير في الواقع! وهذا ما حصل، فتقبل المواطن الرفع إلى سبعة دنانير بدلا مما أشيع! إذا الحكومة ومؤسساتها تستخدم سلاح الإشاعة على مواطنيها وهي من علمت الناس وأوجدت المناخ الخصب للإشاعة أصلا، إذا عرفنا أن من أهم أسباب إنتشار الإشاعة غياب الشفافية والمعلومة من الجهات المعنية، إضافة إلى إرث طويل لحكوماتنا في الفساد والمحسوبية والكذب والتوريث بحيث اصبح الناس يصدقون ما لا يمكن تصديقه! وما يجافي المنطق أحيانا، لأن المواطن مورس عليه كل أنواع التغييب والتجهيل، وانعدمت الثقة بينه وبين الحكومة، وتنامى لدى العامة أن الحكومات هي عدو الشعب الأول، بدل أن تكون خادمة الشعب كما في البلدان المتقدمة والتي تحترم القانون وتعمل بمؤسسية، وتضع المواطن في أعلى أولوياتها !
وفي الحالة الأردنية ومن خلال منصة حقك تعرف، يتم توضيح أمور هامشية لا تقدم ولا تؤخر، ويتم تجاهل أمور مفصلية وشائعات لها أول وليس لها آخر، تسيطر على أحاديث الشارع الأردني وخلواته، تتعلق بعلية القوم! ولكنها من التابوهات التي لا يجرؤ أحد رسمي على تناولها نفيا أو تأكيدا، خوفا على كرسيه، ولا ننسى هذه الأيام فيديوهات وسائل التواصل لبعض المعارضين من خارج الأردن، والتي تصل اعداد المشاهدات لها، عشرات لا بل مئات الآلاف، وتكتشف في أي جلسة لكبار الوجهاء والساسة والعامة أيضاً، أنهم يتقمصون وينقلون أحاديث الفيديوهات إياها، وكأنها مسلمات، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وفي المقابل هنالك صمت حكومي مدقع لا بل مطقع في الكثير من الأمور التي تحتاج لتوضيح، فالإشاعة قاتلة وتدمر الرأي العام ولها تأثير إقتصادي واجتماعي على الأمم، وقد يستخدمها اعدائك ضدك في غياب الوعي وإنتشار الجهل، وسهولة وسرعة تناقل المعلومات في ظل وسائل التواصل الإجتماعي في عصرنا الحالي، ثم أن هنالك قانون للإشاعة حيث وضع ألبورت وبوستمان قانوناً أساسياً للشائعة في شكل معادلة جبرية عن شدة الشائعة على النحو التالي: شدة الشائعة= الأهمية * الغموض، وهذا فعلا ما يجعل من بعض الشائعات تسيطر على الذهنية العامة إذا اقترنت الأهمية مع الغموض، لا بل إنها تقود الناس نحو سلوكات مدمرة ومثال ذلك إشاعات إنهيار الإقتصاد أو هبوط سعر العملة وتوجه العامة لسحب أرصدتهم ممايسبب تعطيل المعاملات التجارية وإنعدام الثقة وغير ذلك من الآثار المدمرة. ولمواجهة خطر الشائعات بانواعها النفسية أو الحسية، يجب نشر ثقافة المنطق في التعامل مع الأخبار ، والتأكد من مصادرها خصوصاً الأخبار الحساسة و المهمة، والتوعية , ومحاربة الصفحات والمصادر المشبوهة و المنتديات التي تنشر أخبار بلا مصادر أو تعتمد مصادر غير موثوقة أو تختلق إشاعات لتحقيق أهداف ومصالح لجهات مختلفة، أو لصنع الإثارة أحيانا، وفي المقابل على الحكومة والجهات المسؤولة التقيد التام بالشفافية و النزاهة، وتوفير المعلومات الصحيحة للعامة وعدم التأخر في ردات الفعل كما يحدث في بلادنا حيث تنتشر الإشاعة وتأخذ فعلها وبعد طول إنتظار يكون الإعلام الرسمي آخر الحاضرين! فحضور الإعلام الرسمي في الوقت المناسب يضيق الخناق على مروجي الاشعات و المتصيدين في الماء العكر.ومهما عملنا ستبقى الإشاعة موجودة، لكن الشفافية، وإنعدام الفساد، والعمل المؤسسي، وغياب التنفيعات ووجود إدارات كفؤة، واحترام عقل المواطن، وبناء ثقة بين المواطن والحكومة، وحدها الكفيلة في الحد من الإشاعات وتخفيف أثر ها المدمر على المجتمع والدولة، حمى الله الأردن.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق