اختناق الأحلام

[review]

— رامي،ماذا حدث معك؟

تلّفت رامي للخلف حيث رأى صديقه خليل ، كان خليل ينظر اليه بلهفة ، فأشار له بأنه لم يوّفق ، و ادار رامي وجهه للأمام سريعا حتى أنه لم ير ملامح الأسف على وجه خليل صديق الطفولة و المراهقة .

سار رامي في الطريق الضيّق ولمّا وصل منزله فتح الباب وولج العتبة ، وعندما كان لا يزال يخلع حذائه ، جاءته والدته من الداخل بعد ان سمعت صوت صرير الباب ، كان يعلم أنها ستسأله عن نتيجة المقابلة التي جرت قبل اسبوعين ولكّنّه ودّ لو أنها لا تفعل ، وعندما سألته لم يجد سبيلا الا أن يجيب مهموما : لا فائدة

قالها دون أن ينظر الى وجه والدته ، فقد كان خائفا من رؤية الحزن العميق الذي يرتسم على وجهها ، قالت الام في محاولة للتخفيف عن ابنها و مواساته : لا بأس يا بني ، ان شاء الله في أقرب وقت تحصل على وظيفة ترضيك .

ردّ قائلا : متى يأتي هذا الوقت القريب ؟ متى ؟

ارتمى رامي على فراشه منكسر الهمّة و الغيظ يكويه ، أخذ يضرب الجدار بقبضة يده منفعلا ، قال في نفسه (( ربما لو تعلمت صنعة لكان وضعي الأن أفضل بكثير ، ما فائدة الجامعة ان لم تؤمن لي وظيفة ؟ ولكني كنت مجتهدا في دروسي ، حقا لم أكن من المتفوّقين في تخصصي و لكني أيضا حصلت على تقدير جيد جدا أما ذنبي اذا درست تخصصا لا يتناسب مع متطلبات سوق العمل ؟ وما ذنبي اذا لم احصل على معلومات كافيه عن سوق العمل و احتياجاته قبل دراستي لهذا التخصص؟)

تنهّد بهمق و تأفف بحرقة ، و رفض تناول الغداء و في أول الليل خرج يتمّشّى في الشوارع كتائه يبحث عن ملجأ ، و ظلّ يسير بتثاقل و قد وضع يديه في جيوبه ، بدت له نفسه كقارب يتخبّط في الأمواج العاتية ، قارب يحتاج الى مرساة لتثبّته على شاطئ الأمان ، كان يسير دون هدف و أراد أن يظل وحده أطول فترة ممكنة ، لذا تحاشى العودة الى البيت او الاقتراب من الأماكن التي يتواجد فيها معارفه او اصحابه .الذكرى الوحيدة التى تهبط عليه في هذه الأوقات هي ذكرى تخرّجه من الجامعة وسط زغاريد أمّه و تصفيق الحضور ، لقد كان سعيدا جذلا و الافاق الواسعة لا تّتسع لآماله ، و ظنّ انها ستغدو قريبا حقيقة ، كان يعلم أنها لن تتحقق دفعة واحدة و لكنّه لم يتوقع ان أقل حلم لديه سيمر عليه وقت طويل دون ان يحقّقه ،تنهّد بعمق ، لقد اختنقت احلامه واحدا تلو الأخر و أضحى يطلب وظيفة ، وظيفة فقط ، و من يعلم فقد يختنق حلمه هذا ليعيش دون أحلام ، وهل للحياة طعم دون تحقيق الاحلام ؟

أشعل سيجارة ، أشعل سيجارة و أخرى و أخرى …….الليل و التدخين و الوحدة ملجأه حينما يضيق عليه الخناق و يحاصره الاحباط ، ولكن أترى هذه الأشياء تخفّف عنه فعلا ؟

في صباح اليوم التالي ذهب رامي الى متجر والده الصغير ،فسمع صوت رجل يخاصم أباه في دين عليه و يطالبه به ، دخل رامي الى المتجر الصغير وتفاجأ حينما رأى مخزونه قد شارف على النفاذ ، وبعد دقائق خرج الرجل بعد أن هدد والد رامي انه اذا لم يسدده الدين خلال نهاية الشهر فسوف يسلّم الشيكات الى الشرطة لتتولى امرها .

قال رامي : لم تخبرني أنك استدنت من أحد مالا ، ثم لماذا لا تشتري بضاعة جديدة للمتجر ؟

ردّ أبوه بحزن :لم أشأ اخبارك لئلا تغتمّ ، احتجت للمال لأني …..وصمت الأب وكأن لديه شيء يخفيه و لا يريد لابنه ان يعرفه

—ماذا هناك يا أبي ؟

وصمت رامي و لم ينتظر جواب والده ،ولم يكن من الصعب عليه أن يعرف ان والده انما استدان المال ليدفع له اقساط الجامعة ،ولم يكن من العسير عليه ان يتذكر أن تجارة والده كانت تمرّ بخسارات بسبب اولئك الذين دخلوا جديدا على التجارة و لديهم من الامكانيات ما تكفيهم لسحق التجار الصغار امثال والده.

دفن رامي رأسه بين يديه و صرخ في نفسه (( ألم يحن الوقت ليرتاح هذا الأب ؟ ))

وفجأة رنّ هاتفه الجوّال ، فاذا بصوت أنثوي يخبره أن عليه مراجعة مكتب التوظيف الذي قدّم اليه طلبا للعمل منذ أكثر من سبعة أشهر ، انبسط قليلا فهذا يعني أن ثمّة أملا كبيرا في وظيفة قريبة ، عاد الى المنزل بسرعه و بدّل ملابسه ، و انطلق حثيث الخطى و خلفه ابتهالات أمّه بأن يفتح الله عليه ، وعندما وصل المكتب دلف الى الاستقبال فأخبروه أن قائمة الحاصلين على عمل قد ألصقت على الجدار المقابل ، أخذ يقرأ الاسماء وانتهت القائمة و لم يجد فيها اسمه ، شعر باختناق ثم أعاد قراءة القائمة بعد أن استعاذ بالله من الشيطان ، هاهو اسمه كان قد ضاع بين انفاسه التي صارت ضبابا حجب رؤيته ، ولم يكد يبتسم قليلا حتى انتبه أن مكان عمله في احدى القرى البعيدة في الجنوب ، صرخ باقتضاب : ولكنّي من أقصى الشمال !!!!!!!!!!!!!

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق