إني آت من هيروشيما . . ! / موسى العدوان

إني آت من هيروشيما . . !

بعد أن ألقت الولايات المتحدة الأمريكية أول قنبلة ذرية في العالم، على مدينة هيروشيما في اليابان بتاريخ 6 أغسطس / آب 1945، وأحدثت دمارا هائلا وأودت بحياة ما يقارب من 140 ألف إنسان، فقد انتقل الشاب “فورموزا ” من مدينته هيروشيما إلى أوزاكا.

وهناك تقدم إلى قسم البوليس ليبلغ عن مقر سكنه الجديد. فوجه إليه البوليس السؤال التالي : من أين أنت قادم، ولماذا تريد الانتقال إلى أوزاكا ؟ فأجاب فورموزا : أنا آت من هيروشيما. وما أن تفوه الشاب بتلك الكلمة، حتى ظهرت الدهشة على وجوه الموجودين. وبعد أن وُجه إليه المزيد من الأسئلة حتى مضى يروي قصته التالية :

” لقد كنت على بعد مائة متر من مكان الانفجار عندما ألقيت تلك القنبلة الرهيبة. فلم يبقَ في ذلك المكان من المدينة، شيء على قيد الحياة من إنسان أو حيوان. وقد كنت في اليوم الموعود، أعمل في أحد مخازن تحت سطح الأرض بثلاثة طوابق. وفجأة سمعت صوتا مدويا وكأن زلزالا عنيفا قد هز الأرض. وقد أذهلني انقطاع التيار الكهربائي، فأخذت أتلمس طريقي إلى السلم، بعد أن عم الظلام الحالك تحت الأرض.

وبينما كنت في طريقي إلى الأعلى، أخذت أتعثر وأقع على الأرض عدة مرات. وكلما صعدت درجة إلى الأعلى اتضح لي أن الأنقاض تسد طريقي. وفجأة انهالت قطع الحجارة والطوب والخشب فوق رأسي، حتى أنه لم يبقَ في جسمي موضع إلاّ أصيب بجرح، وتدفق الدم من كل جزء في جسدي. وكلما لمست يدي جرحا أحسست أن جراحا رهيبة قد فغرت فاها.

وظللت أكافح الموت عشرين دقيقة، حتى وصلت في النهاية إلى سطح الأرض، وهناك كانت لي المفاجأة الكبرى . . إنني لم أجد هيروشيما . . لقد اختفت من الوجود . . وارتعدت فرائصي عندما خرجت إلى غرفة النوم، ووجدت أمامي جحيما لا يطاق. فعلى مدى البصر كانت المنازل قد انهارت ولا يمكن التحقق من الأنقاض، لأن الدخان الكثيف كان قد غمر كل شيء. ورأيت ألسنة اللهب تغدو وتجيء فوق المدينة.

أخذت أجري لأنجو بنفسي وحياتي، وكنت وأنا أجري أبعد الأجسام المشتعلة عن طريقي، وقد لاحظت بأنني أسبق الآخرين بمسافة طويلة، حتى خُيّل إلي أنهم لا يتقدمون إلى الأمام، وإنما يتحركون في أماكنهم. وقد شاهدت البعض يندفعون إلى اللهب ويحترقون بعد أن فقدوا أبصارهم. والسبب في إصابتهم بالعمى هو أنهم كانوا ينظرون إلى الطائرة عندما انفجرت القنبلة.

وبعد نصف ساعة من الفرار وصلت إلى منزلي، فوجدته قائما ولم يمسه سوء. لقد كان واحدا من المنازل القلائل التي أفلتت من الدمار حتى تلك اللحظة. قامت البعثة الطبية بفحصي مرتين، ولم تقرر ظهور أي عارض من الأعراض الطارئة في نهاية كلا الفحصين. لقد اتضح أنني لم أصب بأية إصابات داخلية أو أضرار إشعاعية، وذلك لأنني كنت أقوم بالعمل تحت سطح الأرض بثلاثة طوابق “.

أما فرق المطافئ اليابانية اليابانية – وتعد من أولى الفرق في العالم كفاءة واستعدادا – فلم يكن أمامها إلا الاستسلام أما زحف النيران في محاولة لإخمادها في احد أحياء المدينة. ولم يكن بوسع أحد أن ينظم أية عملية من عمليات إنقاذ، لأن البلاء المحدق من كل صوب حطم معه كل ترتيب وشل كل تفكير. فالشوارع والمحال التجارية والبنايات والمركبات أصبحت أثرا بعد عين. ولكن فورموزا هو الكائن الحي الوحيد الذي نجا من منطقة الفناء التام.

* * *
التعليق : لا أعرف كيف خرج فورموزا سليما من الإشعاعات الذرية المتبقية، مع أنه مشى على قدميه في منطقة تبعد عن نقطة الصفر 100 متر فقط ؟ وأرجو الله أن لا تعاد تلك تجربة هيروشيما، التي تكررت في نكازاكي اليابانية أيضا يوم 9 أغسطس / آب، وأزهقت أرواح 40 ألف إنسان، خاصة إذا علمنا أن القنابل النووية والهيدروجينية تسبب قتلا وتدميرا أكثر من سابقتها القنبلة الذرية.

التاريخ : 6 / 8 / 2019

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى