إبرة القش

إبرة القش
شبلي حسن العجارمة

وحده البکاء لغة المودعين,وحده الکفن جواز السفر,قدموا الجنازة أخروا الجنازة,أکرموا الجثة ,هذا هو خطاب البرستيج المحدد ولا غيره,شق صمت الموت والمصلين صوتُُ تحدر من خلف لثام کوفيته الحمراء بعد أن طلب المايك من الإمام ليخطب بلا ورقة “أي واحد إله حق مادي عند …يراجعنا ,واطلب منکم تسامحوا الجثة معنوياً”,بلا تفعيطة بريك واحدة أو محاولة التسابق خلف سيارة الموتی.
حفر القبر وافدُُ مجهول ,وکاتب البلدية حرر إذن الدفن دون رسم الحدود ,دون انتقاء قبرٍ علی ثلاثة شوارع ,أو مدفنٍ ذو شرفة للصيف أو مثویً دافیء في الشتاء وباردُُ في الصيف,تلاشت الحدود حتی أشجارك التي غرستها لن تظلك ,المحفظة أغلی تذکار سيحمله أحد بنيك ,والسيارة التي ترکتها هي بداية بٶرة الفتنة,الأرض سيکون لك من نصيبها ما تبقی من فکة الرزم التي ستعود من اسطنبول ومرمريس وطابا فقط عشرة قروش لمتسول علی إحدی الإشارات الضوٸية .
کل رواٸحك ,کل تعاملاتك ,وکل ما ادخرت لحساب دنياك وسحبت من رصيد أخرتك ,كل تلك الألقاب تم دفنها قبل رفاتك ,لن تحلم بغير المرحوم أو المرحومة أو المراحيم,صورة في البيت وخلفية لشاشات عاٸلتك ,ذکری موتك ستمر مرةً کل عام ,هذا کل ما سيتبقی من دوشتك الخاصة والعامة.
هذا کل شيء ,لن يشعر أحدُُ بك ,سيصبح الحزن عليك بعد أيام ضحکات علی سبيل تذکر نهفاتك المضحکة,سيروی بأنك الحکيم وستصبح أقدامك أطول مما کنت تعرف عنها ,ستتوقف کل فواتير الأرض “الماء والکهرباء والهاتف ودفتر البقالة “,وستفتح کل دفاترك وفواتير الأخرة التي نسيتها تحت مسميات والله انك زلمة والله إنها مرة قد حالها,وکلما أسرف من هم خلفك بالتمادي بأخطاٸك وخطيٸاتك التي ترکتها حلفك عالقةً کلما تأخرت علی طابور کاش الأخرة ,ستقف بلا متاع وبلا أکياس أو سلال , بلا تنزيلات فقد قرأت التسعيرة قبل وصولك للمحطة ما قبل الأخيرة, ستتلی عليك البضاعة دون الحاجة لذاکرتك دون السماح لك بالاستبدال والإرجاع ,ستقرأ حقيقة “البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل “.
ستبحث عن دليل المستخدم عند فوات الأوان وبعد مدة الانتهاء , سيوزن صفك الأول في صلاة الفجر بکفةٍ العدل بخلقك ومعاملاتك بعد حجز مکانٍ في المسجد الأکبر في الصف الأول خلف الإمام الأقرأ والأفقه والأفصح,أنت هنا اليوم في نقد المضمون لا في الهندسة الشکلية ,سيوزن عليك هذا القلب بکل أحماله وأخلاطه وستحاسب علی نسبة وتناسب المحبة للناس أو بغضهم ,سيوزن النفاق وحجم الدياثة ,سيصهر هذا القلب لتخرج منه شواٸب الکذب والتدليس والحسد المحشو بالحقد ,أو سيمر بلا وزنٍ لنصاعة بياضه حين يختم بختم العبور “قلب خالي من المعاصي”.
تفقد إبرة ظلمك ,تفقد مخيط أذاك,توجس مخاط خلقك المغشوش قبل أن تبحث عنهن في تلالٍ من قش الحقيقة والحساب عند إله العدل والإياب ﷻ .

اظهر المزيد

اترك رداً

زر الذهاب إلى الأعلى