العدالة المجتمعية 1 / 2 / د. هاشم غرايبه

العدالة المجتمعية 1 / 2

المجتمع المثالي هو الذي يلبي احتياجات أفراده ويحقق العدالة للجميع، وهو المتطلب الذي كان الساسة يتنافسون في الوعد بتحقيقه على مر التاريخ، ولا يقبل أي منهم اتهامه بالتقصير في تحقيق ذلك، بل كان الحكام يسرفون في ادعاء أنهم يحققون الرخاء ويحكمون بالعدل، مهما كان مستبدا ظالما أو عادلا متسامحا.
حتى فرعون الذي طغى وتجبر، وكان يقسم الناس شيعا، ويفرض رأيه على الناس ويعتبر نفسه إلها، كان يعتبر طريقته هي المثلى، فحارب موسى وأخيه اللذيْن جاءاه مطالبين بالصلاح والعدل مخوفا قومه بأنهما:” وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ “.
لم يتوقف بحث المصلحين قديمهم وحديثهم عن (الطريقة المثلى) لتنظيم علاقات المجتمع بحيث تنتج مصلحة جميع الأفراد على السواء، وسنأخذ التطورات التي حصلت على المجتمع الأوروبي كعينة قيادية للمجتمعات الإنسانية لأنها بحكم تفوقها تعتبر القدوة في نظر الأمم الأخرى، ولأن أغلب هذه المحاولات تمت في أوروبا.
ظلت المجتمعات الأوروبية تعاني من فواصل حادة التباين بين طبقات المجتمع، في القرون القديمة كان يقسم الى سادة وعبيد ثم تطور الى اقطاعيين وأقنان، وظل حتى القرن الثامن عشر يقسم الى ثلاث طبقات الطبقة العليا وهي العائلات المالكة والإقطاعيين والنبلاء، ثم طبقة رجال الدين، والسفلى كانت طبقة العامة وتتألف من العمال والفلاحين والخدم والأجراء، وهذه الطبقة هي المسحوقة اجتماعيا إذ أنها هي التي تعمل وتنتج ولا نصيب لها من جهدها إلا الكفاف.
بعد الثورة الفرنسية حدثت تغيرات بطيئة، كانت دوافعها الثورة الصناعية أكثر مما هي الإصلاحية، فظهرت الطبقة السياسية الحاكمة بصورة منمقة سميت الديمقراطية، وتسلمت مكانة الأباطرة والقياصرة ، فيما تحورت طبقة الإقطاعيين والنبلاء الى صورة جديدة وهي أصحاب رؤوس الأموال ومالكي المرافق الصناعية والزراعية المنتجة، أما طبقة رجال الدين فقد قضت عليها العلمانية فاندثرت وانكفأت ضمن مؤسسة الفاتيكان، فيما تحسنت ظروف الطبقة الدنيا العاملة بدافع الحاجة لجهودها.
آخر التطورات على المجتمعات الأوروبية كانت في القرن العشرين، فقد أحدث التقدم والرخاء تغييرات بنيوية، فتقسمت من جديد الى ثلاث طبقات: طبقة أصحاب النفوذ والهيمنة وهم رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، ورهطهم من السياسيين والإعلاميين، ثم الطبقة الوسطى وهي من المهنيين والحرفيين وأصحاب المهارات التقنية والعلمية، ثم الطبقة الدنيا.
رافق هذه التطورات تحسينات كثيرة على صعيد حقوق الإنسان بعد تحرير العبيد وتقديم خدمات التأمين الصحي والإجتماعي وإنصاف العمال، لكن التباينات الطبقية ظلت قائمة، كما أن مصالح الإحتكاريين وكبار الصناعيين حالت دون تحقيق المساواة، فأصبح الفرد مجرد برغي في دولاب عملاق يدور معه من غير أي معنى إنساني لحياته، ويرى نفسه وكأنه عاد من جديد لحالة عبيد الرومان الذين يعملون بلا توقف طيلة حياتهم، ومن غير أن يتاح لهم التعبير عن إختلافهم الإنساني عن الدواب التي تأكل وننام وتتناسل ونتاجها ليس لها.
التطور السلبي أنه رغم التقدم في تحقيق العدالة داخل المجتمعات الأوروبية، فقد برزت ظاهرة غياب العدالة بينها وبين المجتمعات الأخرى، فنشأ نوع من الإستعباد للآخر، فأصبح التمايز الطبقى معها ككل، الذي هو ظلم بالكلية فنشأ مسمى العالم الثالث وكأنه الطبقة الثالثة في المجتمع البشري المعولم.
لذا يمكن القول أن تحقيق العدالة بالمعيار الأوروبي كان داخل مجتمعاتها، لكنه استعلاء طبقي على المجتمعات الأخرى.
في القسم الثاني سنبحث عن البديل: العدالة الأممية بلا تمييز ولا استعلاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى