
يوم #الفوز_الحقيقي – #ماجد_دودين
من فرحة الفوز بلعبة إلى فرحة الفوز في الآخرة
لقد شهدنا ليلة أمس ذلك الفرح العارم الذي اجتاح الملايين في المغرب والوطن العربي والعالم بفوز المغرب على نيجيريا في لعبة كرة القدم، كما تحمّل الملايين السهر حتى وقت متأخر، ورقص كثيرون حتى الفجر، وامتلأت القلوب ابتهاجًا وفرحا وسرورا وحبورا بانتصار في لعبة. وهذا المشهد يذكرنا بسؤال دقيق وعميق:
كم سيكون فرحنا يوم القيامة إذا أكرمنا الله بالفوز الحقيقي والدائم؟
المواقف الثلاثة المصيرية
كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم حريصًا على أمَّتِه، شفيقًا بهم رؤوفًا رحيمًا، ومِن مَظاهرِ هذا الحِرصِ وهذه الرَّحمةِ أنَّه يشفَعُ لهم يومَ القيامةِ، ويسأَلُ اللهَ لهم الخيرَ في هذا اليومِ العصيبِ، ومن ذلك ما يُخبرُ به أنسٌ رَضِي اللهُ عَنه في هذا الحَديثِ، فيقولُ: سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ أن يشفعَ لي يومَ القيامةِ فقالَ أنا فاعِلٌ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ فأينَ أطلبُكَ قالَ اطلُبني أوَّلَ ما تطلُبُني على الصِّراطِ. قالَ قلتُ فإن لم ألقَكَ على الصِّراطِ قالَ فاطلُبني عندَ الميزانِ. قلتُ فإن لم ألقَكَ عندَ الميزانِ قالَ فاطلُبني عندَ الحوضِ فإنِّي لا أخطئُ هذِهِ الثَّلاثَ المواطنَ – الراوي: أنس بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة الرقم: 2433 | خلاصة حكم المحدث: صحيح – التخريج: أخرجه الترمذي (2433) واللفظ له، وأحمد (12848)
وعن عائشة رضي الله عنها أنها ذَكَرَتِ النار، فبَكَت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يبكيكِ»؟ قالت: ذكرتُ النار فبكَيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما في ثلاثة مواطن، فلا يذكر أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتى يعلم أيخِفُّ ميزانه أو يثقُل، وعند الكتاب حين يُقال: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]، حتى يعلم أين يقع كتابه؛ أفي يمينه، أم في شماله، أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وُضِع بين ظَهْرَي جهنم))؛ (رواه أبو داود، وأحمد).
١. عند الميزان: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}
- هنا يُوزن كل عمل صالح وسيء بدقة لا تخفى فيها ذرة.
- الفوز الحقيقي هو أن ترجح كفة الحسنات، فينادي المنادي: “يا أهل السعادة، أبشروا”.
- تخيل الفرح عند رؤية الصدقة التي نسيتها، والدعوة التي لم تلتفت لها، والدموع التي سالت خوفًا من الله، كلها في كفة الحسنات.
٢. عند تطاير الصحف: {فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ}
- الصحف تُعطى: باليمين للفائزين، وبالشمال للخاسرين، ومن وراء الظهر للمجرمين. يقول تعالى: { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) سورة الحاقّة.
- الفوز العظيم هو استلام الكتاب باليمين مع البشارة: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)}. سورة الحاقة
- ما أعظم فرحة من يقرأ سجله وقد غفر الله سيئاته وحولها إلى حسنات!
٣. على الصراط: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}
- الصراط فوق جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعرة.
- ويكونُ هناك تَفاضُلٌ في المرورِ عليه يومَ القيامةِ؛ فالمؤمِنون يَنْجُون مِن السُّقوطِ في جَهنَّمَ، ومِن النَّاسِ مَن يُطرَحُ ويسقُطُ في النَّارِ، فإذا عُوقبوا على ذُنوبِهم أُخرِجوا منها إلى الجنَّةِ، ما لم يَكونوا كافِرينَ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أوَّلُ مَن يَجتازُ الصِّراطَ بأمَّتِه، وكلامُ الأنبياءِ يومَئذٍ: اللَّهمَّ سلِّمْ سلِّمْ.
- النجاة تكون بنور الإيمان: فمنهم من يجري، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، والناجون هم أهل التقوى الذين قال الله عنهم: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا }.
- الفرح الحقيقي هو الوصول إلى الجنة بعد عبور هذا الامتحان المهول.
المقارنة بين الفرحتيْن
فرحة الفوز بالمباراة فرحة مؤقتة وزائلة ويشترك فيها المؤمن والكافر وقد يعقبها خسارة في مباراة قادمة وهي فرحة اللحظة الآنيّة ثم تُنسى مع هموم الحياة والمشي في مناكبها.
أما فرحة الآخرة فهي دائمة وأبدية وللمتقين فقط ولا خسارة بعدها أبدًا وهي فرحة الأبد وتزداد مع مرور الأزمان في النعيم المقيم في دار الخلد والمقامة.
بعض الأدلة على سبيل المثال لا الحصر على عظمة الفوز الأخروي:
- قال تعالى: {فَرَحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران:170]
- وقال صلى الله عليه وسلم: إنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في طَيرٍ خُضرٍ تَعلقُ من ثمرِ الجنَّةِ، أو شَجرِ الجنَّةِ) الراوي: كعب بن مالك | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الترمذي – الصفحة أو الرقم: 1641 | خلاصة حكم المحدث: صحيح
التخريج: أخرجه الترمذي (1641) واللفظ له، وأحمد (27166)، والبغوي في ((معجم الصحابة)) (2009) باختلاف يسير.
للشُّهداءِ مَكانةٌ عظيمةٌ عِندَ اللهِ سبحانه وتعالى، ويُكرَّمون بدءًا مِن سَيلانِ أوَّلِ قطرةٍ مِن دِمائِهم، ثمَّ دَفْنِ أجسادِهم وصعودِ أرواحِهم ودخولِهم الجنَّةَ، وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم عن أرواحِهم: “إنَّ أرواحَ الشُّهَداءِ في طَيرٍ خُضْرٍ”، أي: في طيرٍ مِن طيورِ الجنَّةِ لَونُها أخضَرُ، قيل: تُحفَظُ تلك الأرواحُ في حَواصِلِ تلك الطُّيورِ، “تَعلُقُ مِن ثمَرِ الجنَّةِ، أو شجَرِ الجنَّةِ”، أي: يَكونُ أكْلُها ورَعيُها ومأواها على شَجرِ الجنَّةِ وثِمارِها، وفي روايةٍ: “حتَّى يَبعَثَه اللهُ عزَّ وجلَّ إلى جسَدِه يومَ القيامةِ”،
- الفوز في المباراة يمنح كأسًا ماديًا، أما الفوز يوم القيامة فيمنح {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
الخلاصة: الاستعداد للفوز الأكبر
لقد فرحنا بالفوز بمباراة، وهذا فرح جائز ما لم يكن فيه معصية. ولكن الأجدر بنا أن:
1. نوجه جلّ حماسنا للاستعداد ليوم القيامة.
2. نستثمر أوقاتنا في الأعمال التي تثقل الميزان.
3. نتذكر أن الفرح الحقيقي الذي لا ندامة بعده هو الفرح بلقاء الله. قال صلى الله عليه وسلّم: “مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ. قالَتْ عائِشَةُ أوْ بَعْضُ أزْواجِهِ: إنَّا لَنَكْرَهُ المَوْتَ، قالَ: ليسَ ذاكِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ برِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ، فليسَ شَيءٌ أحَبَّ إلَيْهِ ممَّا أمامَهُ؛ فأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ، وأَحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ، فليسَ شَيءٌ أكْرَهَ إلَيْهِ ممَّا أمامَهُ؛ كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ، وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ. صحيح البخاري
فلنكن من الذين يستعدون لهذا اليوم، ليكون فرحنا فيه أعظم من كل أفراح الدنيا، حيث {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ، لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ}.
فالفوز في ملعب كرة القدم يذكرنا بملعب الحياة الحقيقي، حيث المباراة مع الدنيا والنفس والهوى والشيطان، والنصر الحقيقي هو نصر الإيمان والطاعة، والفوز العظيم هو فوز الجنة ورضوان الرحمن.

