وداعاً لـ”الشامل”: تحول نوعي في مسار التعليم التقني الأردني

وداعاً لـ”الشامل”: تحول نوعي في مسار التعليم التقني الأردني

محمد عاطف خمايسة


لم يكن “امتحان الشامل” مجرد اختبار وطني عابر في مسيرة طلبة الدبلوم، بل كان محطة فاصلة تختصر سنوات الدراسة في لحظة تقييم حاسمة. واليوم، ومع قرار مجلس التعليم العالي بإلغائه، لا نطوي صفحة اختبار مركزي فحسب، بل نغلق فصلاً امتد لعقود في تاريخ التعليم التقني الأردني، ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بـ جامعة البلقاء التطبيقية، التي اضطلعت بدور الحارس الأمين على جودة مخرجات الكليات الجامعية المتوسطة.
على مدى سنوات طويلة، مثّل “الشامل” أداة وطنية لتوحيد المعايير بين عشرات الكليات الحكومية والخاصة والعسكرية، فكان صمام أمان يضمن أن شهادة الدبلوم تحمل القيمة ذاتها بغض النظر عن جهة الدراسة. وقد نجحت جامعة البلقاء التطبيقية في تحويل هذا الامتحان إلى منظومة رقابية متكاملة دفعت الكليات إلى تطوير مختبراتها وخططها الدراسية، ورفعت من مستوى الانضباط الأكاديمي، حتى بات النجاح في “الشامل” مؤشراً عملياً على كفاءة الخريج وثقة القطاع الخاص به.
غير أن التحولات المتسارعة في عالم التعليم، وتحديداً في ميادين التعليم التقني والمهني، فرضت مراجعة جادة لفلسفة التقييم التقليدية. فالعالم يتجه اليوم نحو قياس الكفايات والمهارات التطبيقية، لا الاكتفاء بالتحصيل المعرفي النظري. ولم يعد من المنطقي أن يُختزل مستقبل الطالب المهني في اختبار واحد، مهما بلغت دقته وتنظيمه. فالتعليم التقني بطبيعته تراكمي، عملي، قائم على الممارسة اليومية والتدريب الميداني، ويتطلب أدوات تقييم مستمرة ترافق الطالب طوال رحلته الدراسية.
من هنا، يمكن قراءة قرار الإلغاء بوصفه انتقالاً من ثقافة “الامتحان الواحد” إلى ثقافة “التمكين المستمر”. فهو يمنح الكليات مرونة أكبر لاعتماد أنظمة تقييم تراكمية تقيس الأداء الفعلي للطالب، ويخفف في الوقت ذاته من الضغط النفسي الذي كان يلازم الطلبة تحت وطأة “الفرصة الواحدة”. كما يفتح الباب أمام مواءمة البرامج الأكاديمية مع احتياجات سوق العمل، عبر التركيز على الكفايات العملية، ومهارات حل المشكلات، والعمل ضمن فريق، والقدرة على الإنجاز في بيئة حقيقية.
إلا أن هذا التحول، رغم إيجابياته، يضع المنظومة التعليمية أمام تحدٍّ جوهري: كيف نحافظ على هيبة الدبلوم ونمنع تفاوت المستويات بين الكليات؟ هنا يبرز الدور الجديد لـ جامعة البلقاء التطبيقية، ليس بوصفها جهة امتحان مركزية، بل جهة إشراف وتطوير وضبط جودة. فالمطلوب اليوم تفعيل رقابة أكاديمية صارمة على أدوات التقييم الداخلية، واعتماد مشاريع تخرج تطبيقية حقيقية، وتعزيز التدريب الميداني الإلزامي، وبناء شراكات فاعلة مع القطاع الصناعي ليكون شريكاً في تقييم الخريجين، لا مجرد مستقبِل لهم.
إن إلغاء “الشامل” ليس تراجعاً عن الجودة، بل هو اعتراف بأن أدوات الأمس لا تكفي لمتطلبات الغد. فقد أدّت جامعة البلقاء التطبيقية رسالتها في حماية مستوى التعليم المتوسط لسنوات طويلة، ونجحت في ترسيخ سمعة وطنية للامتحان. واليوم، تقف أمام فرصة لقيادة مرحلة أكثر حداثة، تقوم على الثقة المشروطة بالرقابة، وعلى المرونة المقترنة بالمساءلة.
يبقى الرهان الحقيقي على وعي الكليات وجدية الطلبة، وعلى قدرة الجميع على تحويل هذا القرار إلى نقطة انطلاق جديدة، تجعل من شهادة الدبلوم جواز سفر مهني حقيقي في سوق عمل لا يعترف بالأوراق بقدر ما يعترف بما تُنجزه الأيدي من مهارة، وما يُبدعه العقل من حلول. فالتاريخ لا يُكتب بالامتحانات وحدها، بل بالقدرة على التطور حين تفرض المرحلة ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى