هل وصلت الحكومة إلى سن اليأس!…

هل وصلت الحكومة إلى سن اليأس!…
منى الغبين


الأردن يعيش اليوم مرحلة دقيقة ومركبة، مرحلة يختلط فيها تأثير الأحداث الخارجية بالضغوط الداخلية، ويشعر المواطن بأن السياسات الحكومية لا تعكس دائماً واقع احتياجاته اليومية، فالمنطقة كلها مضطربة من تهجير وتشريد في العراق وسوريا وغزة، وأثر ذلك على الأردن ليس نظرياً بل ملموس على الاقتصاد والخدمات والبنية الاجتماعية، فالضغط على المستشفيات والمدارس وسوق العمل جعل الحكومة أمام تحدٍ حقيقي بين الاستقرار الداخلي ومتطلبات السياسة الإقليمية والدولية، وفي هذا السياق، تبدو الحركة البرلمانية وتغيير الحكومات المتعاقبة وكأنها دورات اعتيادية لا تغير الواقع، وعدد من الوعود التي تقدمها الحكومات يخلق شعوراً مؤقتاً بالأمل بينما الواقع يعيد إنتاج الأزمات نفسها، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الكهرباء والبنزين والمواد الاستهلاكية الأساسية، وجشع بعض التجار المدعوم من السياسات الحكومية في بعض القرارات، الأمر الذي يجعل المواطن يعيد تقييم قدرة الدولة على حماية حياته اليومية ومستوى معيشته.
وفي صميم هذا الواقع يأتي موضوع الضمان الاجتماعي، الذي كان يمثل أماناً وحلم المواطن في مواجهة الحاجة والشيخوخة والبطالة، وقد أثارت التعديلات الأخيرة في القانون شعوراً بالإحباط لدى كثير من المواطنين الذين شعروا أن الحلم المتمثل بشبكة أمان اجتماعي قد تلاشى، وهنا يظهر التساؤل: هل الحكومة وصلت إلى ما يمكن تسميته سنة اليأس، لحظة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع ضعف الثقة في أداء المؤسسات؟
وبينما الأردن يحاول ضبط منظومة الضمان الاجتماعي، فإن قراءة ما يحدث في الولايات المتحدة، وخصوصاً في كاليفورنيا، تمنحنا منظوراً أوسع، فهناك نقاش قانوني جاد حول مستقبل الضمان الاجتماعي، مع توقع احتمال تغييرات جوهرية قبل عام 2030 بسبب الشيخوخة السكانية واختلال التوازن بين المساهمين والمتقاعدين، وكوني متابعة لهذه القوانين واستفدت منها شخصياً، فإنني أفهم أن تعديل الحكومة الأردنية لقوانين الضمان ليس مجرد استجابة عابرة، بل خطوة مدروسة لإعادة التوازن في نظام محدود الموارد ويحتاج لتدابير حقيقية وعادلة، فالضغوط الديموغرافية والمالية في الأردن تظهر أسرع، بينما الصناديق الأمريكية تملك مساحة أكبر للمناورة، لكن التحديات متشابهة من حيث ضرورة استشراف المستقبل وحماية المواطنين.
هذا الربط بين ما يحدث في الأردن وما يُناقش في الخارج لا يشير إلى تقليد أو تزامن مقصود، بل يظهر أن إدارة نظم الضمان الاجتماعي أزمة عالمية، وأن السؤال الحقيقي هو: هل الإصلاحات الأردنية استباقية ومدروسة بما يكفي لحماية المواطن وضمان العدالة في توزيع العبء، أم أنها مجرد رد فعل على ضغوط تراكمية؟ الأهم أن المواطن يحتاج إلى رؤية واضحة لخطط الحكومة، وأن يلمس أن الضمان الاجتماعي هو عقد أخلاقي وواقعي يحمي المستقبل ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
في نهاية المطاف، الحديث عن سنة اليأس ليس وصفاً لحالة إحباط عابرة، بل انعكاس لاختلال ثقة المواطن بمؤسسات الدولة، ومعالجة هذا الشعور تتطلب إصلاحات شاملة، شفافة، عادلة، تضع المواطن في قلبها، بحيث يتحول الضمان الاجتماعي من وعد متكرر إلى أداة حقيقية لحماية الناس، وتضمن قدرة الأردن على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية معاً، وتحقيق استقرار اجتماعي واقتصادي يحاكي طموحات الأردنيين ويليق بمكانة الدولة في المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى