نورعلى نور د. هاشم غرايبه

نورعلى نور

د. هاشم غرايبه

لعل اهم حدث في التاريخ الإنساني، غير وجه العالم، وأثر إيجابيا في تطوير المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كان ذلك الحدث هو الهجرة.
بالطبع ولأن التاريخ يهيمن عليه الأوروبيون، فمؤرخوهم متحيزون ولا يحبون الاعتراف بذلك، ولتعصبهم الشديد ضد الإسلام ينكرون الدور المشرف للحضارة الاسلامية، فيقول بعضهم ان أكثر حدث فارق في التاريخ هو الثورة الفرنسية، وآخرون يعتبرونه الثورة الصناعية، وغيرهم يعتبرونه اكتشاف الآوروبيين للأمريكتين.
لو رجعنا الى البداية، فقد بين الله تعالى أنه خلق الإنسان ليعمر الأرض، والإعمار بناء وإصلاح، وتنظيم وتطوير للأفضل، لذلك حذره من إفساد الأرض بعد إصلاحها.
وعندما تاه الإنسان بين المسالك أيها أفضل لانجاز تلك المهمة العظيمة، أنزل عليه الهدى مرشدا عبر رسله، متضمنا المنهج الأمثل، وسماه الدين.
لكن الذين يغلبون مصالحهم على المصلحة العامة للمجتمعات، وهم طبقة المترفين، كذبوا المرسلين وتصدوا لدعوتهم، ولما كان هؤلاء أصحاب نفوذ، فلم يتمكن أي نبي من تعميم دعوته، لكن الله تعالى أراد أن تبقى شعلة الإيمان متقدة، واصل ارسال الرسل، الى أن ينزل رسالته الخاتمة التي يستكمل بها الدين بصورته النهائية، وسيحقق به الصلاح والفلاح.
ولآن الله تعالى يعلم أن مترفي قريش لن يتركوا نبيه ينشر دعوته ويطبق شرع الله، فقد أمره بالهجرة الى المدينة المنورة لتكون حاضنة لأول دولة تقام على أساس منهج الله، وتكون أنموذجا للبشرية في النظام السياسي الذي يحقق الصلاح والعدالة الاجتماعية.
ربما يتساءل البعض: لماذا تأخر أمر الله بالهجرة ثلاثة عشر عاما قضاها النبي صلى الله عليه وسلم والقلة الذين آمنوا معه بالمعاناة ونالوا خلالها صنوف الأذى؟.
لا شك أن ذلك لحكمة أرادها الله ليتمرس المسلمون الأوائل، فالشدة تصقل، والصعوبات تعلي الهمم وترفع القدرات، فأمامهم مهام صعبة تحتاج الى الجلد والصبر، إذ عليهم تبليغ الدعوة ليس الى قومهم فحسب، بل الى البشرية جميعا، إذ سيتصدى لهم العرب والعجم.
بعد أن نجحت الهجرة بعون الله وتأييده، برحمة منه ألّف بين قلوب المهاجرين والأنصار، لتتحقق لآول مرة علاقة لم يعرفها البشر، هي ليست مجرد اتحاد بين قومين، بل مؤاخاة تامة والتحام صنعته وحدة العقيدة، لينتج مجتمع مثالي متحاب متواد، سمته الإيثار والتضحية.
هكذا رأينا المدينة الفاضلة التي قال بها أفلاطون، وطالما حلم بها المصلحون، قد تحققت على أرض الواقع، ولم تبق كأماني فلسفية، ولم تكن اجتهادات البشر مهما كانت مخلصة لتحققها، بل فقط مؤمنون بالله متبعون لمنهجه.
لقد شهد العالم كيف أن هذا الأنموذج صنع المعجزات، فخلال ثماني سنوات فقط اجتاحت الدعوة كل الجزيرة العربية، ثم في السنتين التاليتين أرسلت الدعوات للإيمان لكل الأقطار المجاورة، ثم خرجت جيوش المجاهدين لتقارع القوتين الأعظم في ذلك الزمان معا، ولتهزمهما وتحرر الشعوب العربية في العراق وبلاد الشام ومصر من استعمار دام قرونا.
في السنوات العشر التالية توسعت هذه الدولة لتبلغ أقاصي مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكن ذلك على طريقة الامبراطوريات بالاحتلال العسكري، بل أغلبها بالقناعات بصواب منهج الله، فبخلاف المواجهتين الحاسمتيين مع الفرس والرومان، لم تحدث بعدها معارك كبيرة، بل دخلت معظم الشعوب في الدين بقناعتها، ويثبت ذلك أن كل الأقوام خارج الجزيرة العربية التي دخلت الإسلام، التحمت بالدولة الاسلامية، ودافعت عنها ضد المعتدين بحماس أكثر من العرب، وبخلاف الاحتلالات الاستعمارية، لم يقبل أي منهم العودة الى ثقافته السابقة بعد انهيار هذه الدولة.
أما الأهم فهو ما حققته الشعوب المختلفة في الأصول القومية بعد التحامها في اطار العقيدة الاسلامية، على صعيد المنجز في الحضارة العالمية، وليس مفاجئا القول بأن أغلب العلماء والفقهاء والمفكرين والفلاسفة الذين بنوا الأساس العلمي والفلسفي الذي ارتكزت عليه الحضارة الغربية هم مسلمون غير عرب.
هكذا نستخلص أن قيام نظام سياسي على أساس منهج الله، والذي ما كان لينجح لولا الهجرة، هو أعظم حدث مؤتر في المنجزات الحضارية البشرية بلا منازع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى