نور على نور

#نور_على_نور

د. #هاشم_غرايبه

أرسل الي أحدهم فيديو عنوانه ” وأخيرا تمكن الذكاء الصناعي من اكتشاف ان الدين منتج بشري”، لم أجد فيه شيئا جديدا، غير الافتراض الذي تنغلق عقول الملحدين عليه، وهو ان الدين مخترع من بشر، فيعتبرونه الاساس الذي يبنون عليه ، والطريف أن الملحدين العرب يأخذون أفكار الغربيين، قصا ولصقا، من غير تمحيص، غافلين عن أن الغربيين لا يعرفون الدين الحقيقي، ولا يريدون أن يعرفوه، لأنهم لايعترفون بالاسلام أصلا، ولا بالقرآن فهم يعتبرونه مأخوذ من الكتاب المقدس، لذلك فمفهومهم عن الله سطحي ويتجسد بالصليب، وأن الدين هو الكنيسة.
كثيرون يؤمنون بمقولات ما يسمونه الذكاء الصناعي، ناسين أنه ليس ذكاء ولا يأتي بابداع كالعقل البشري، لأنه مجرد أداة حاسوبية سريعة لاستخراج الجواب من كم هائل من المعلومات المحشو بها، أي من افكار المبرمج الذي أودعه فيه، فهو عبارة عن بغاء آلي، يردد ما يلقن.
هؤلاء هم من وصفهم الله تعالى بأن لهم عيون لا يبصرون بها، فهم عمي عن حقيقة بلوغ الإسلام مغارب الأرض ومشارقها، فلم تعد بقعة في الأرض تخلو من مسلمين، وكيف تمكن في نفوس المؤمنين بالله، حتى باتت لا تقدر عليهم أعتى القوى.
ذلك يثبت صدق وعد الله للمؤمنين الأولين الذين دخلوا الإسلام متسترين خوف أن يتخطفهم الناس، فربط على قلوبهم إذ قال: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا” [النور:55]، فصبروا على دينهم حتى اشتد ساعده، ثم انتشر حتى وصل ديارنا وأكرمنا الله بان هدى أجدادنا إليه، فصرنا بفضله تعالى مسلمين.
منذ اليوم الأول لانبثاق الدعوة، تحالف الطغاة مع المترفين وانضم إليهم ذوي النفوس الضعيفة المنقادة الى الشهوات، وشكلوا معسكرا شرسا ناصب منهج الله العداء، ولم يتركوا في سبيل القضاء على دعوة الدين الى الإصلاح وتزكية النفوس سلاحا إلا استخدموه، لكن الله لا يمكن أن لا ينفذ وعده، لذلك كانت الحتمية التاريخية بانتصار الإسلام، سواء كان متبعوه أقوياء ممتلكين لوسائل القوة والغلبة، أو مستضعفين في الأرض ليس لهم من حول ولا قوة، فالنصر من عند الله أولا، وليس شرطه التفوق في القوة ثانيا، ثم يأتي التأكيد ثالثاً في قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور” [الحج:38]، ومن كان الله معه فمن يقدر عليه؟.
لا شك أن سر ثبات المؤمنين رغم قلة عددهم وضعف إمكانياتهم مقابل تفوق جحافل الباطل، يعود الى محبة الله لهم، بالمقابل عدم محبته للكافرين.
ولأنه الله رحيم بعباده جميعا، فهو لا يكره أحدا منهم، لكن يكره أفعال الظالمين منهم، والتي وصفها بصيغة المبالغة (خوّان) أي الخائن المقيم على الخيانة.
السؤال هنا لماذا اعتبر الله الكافر خائنا وليس عاصيا؟.
عندما خلق الله نفوس البشر من ذرية آدم، وذلك قبل تخلقهم الفعلي في الحياة الدنيا كأجساد، سألهم: “أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ” فأقروا بذلك: “قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا”، فرد عليهم تعالى بأن ذلك عهد عليهم لا ينكرونه يوم القيامة: “أن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ” [الأعراف:172].
قد يقول قائل: إنني لا أذكر أنني قد سُئلت هذا السؤال من قبل.
الجواب أن النفوس لم تكن مجسدة بحواس تسمع وتنطق، لذلك فقد كان ذلك الإشهاد بصورة فطرة مودعة في النفس، والفطرة مُلزِمة، ليس متاحا للنفس قبولها أو رفضها، من هنا سمي ذلك إقرارا.
بناء على ذلك فقد اعتبر الله تعالى من يخون العهد الذي عاهدت به النفوس خالقها بأن تؤمن به خالقا وإلهاً، خائنا، وعندما ترفض النفس فيما بعد تجسدها وخروجها الى الوجود الدنيوي بصورة الإنس الإيمان، ثم لا تكتفي بذلك بل تحارب منهج الهداية وتسعى لرد المؤمنين عن إيمانهم، تكون قد أصرت على الخيانة المكررة، لذلك سمى الله الكافر خوانا وليس خائنا فقط.
لذا فالأصل في مسألة الإيمان أنه فطري، والشذوذ هو الالحاد، ولا يذهب اليه الا من كان ضعيف النفس أمام الرغبات والنزوات، أو لديه ميل للرذائل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى