نقد من الداخل أم تطبيع من الخارج؟ قراءة في لقاءات المثقفين العرب والإسرائيليين

نقد من الداخل أم #تطبيع من الخارج؟ قراءة في #لقاءات #المثقفين_العرب و #الإسرائيليين

الدكتور #حسن_العاصي

كاتب وباحث أكاديمي فلسطيني مقيم في الدنمارك

في لحظة تاريخية تتسم بالدم والخذلان، حيث يُقصف الفلسطينيون في غزة بلا هوادة، وتُحاصر مدنهم، وتُهدم بيوتهم فوق رؤوسهم، يطفو على السطح سؤال يبدو في ظاهره معرفياً، لكنه في جوهره أخلاقي وسياسي: هل يمكن للمثقف أو الإعلامي الفلسطيني والعربي أن يُحاور شخصية إسرائيلية “ناقدة” دون أن يُشرعن وجودها؟ دون أن يُجمّل خطابها؟ دون أن يُستخدم كجزء من آلة رمزية تُعيد إنتاج الاحتلال بلغة ناعمة؟

هذا السؤال لا يُطرح في فراغ، بل في سياق تطبيع سياسي متسارع، تُرافقه موجة تطبيع إعلامي وثقافي أكثر خطورة، لأنها لا تُعلن نفسها، بل تتسلّل عبر مفردات “الحياد”، و”التحليل”، و”الانفتاح”، و”الاختلاف”، لتُعيد تشكيل الوعي العربي تجاه فلسطين، لا عبر الإنكار، بل عبر التخفيف، والتأطير، والتجميل.

في السنوات الأخيرة، ظهرت لقاءات إعلامية بين مثقفين عرب وشخصيات إسرائيلية تُقدَّم بوصفها “ناقدة”، أو “متمردة”، أو “صوتاً مختلفاً” لكن السؤال الذي يُغفل غالباً هو: هل يمكن فصل هذا “النقد” عن البنية الاستعمارية التي تُنتجه؟ هل يمكن أن يكون “أبراهام بورغ” أو غيره من رموز المؤسسة الإسرائيلية، ناقداً حقيقياً، وهو الذي شغل منصباً تشريعياً في دولة الاحتلال، وشارك في شرعنة سياساتها؟ هل يُمكن أن يُقدّم خطاباً أخلاقياً، وهو يُساوي بين المقاومة والاحتلال، بين من يُدافع عن أرضه، ومن يُقصفه بالطائرات؟

المثقف، حين يُحاور، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي. وحين يُطلّ عبر منصة تُروّج للتطبيع، فإن مجرد ظهوره يُصبح جزءًا من الرسالة، مهما كانت نواياه. فالمنصة تُحدّد السياق، والسياق يُعيد تشكيل المعنى، والمعنى يُعيد إنتاج الموقف.

في هذا المقال، لا نُدين الحوار بوصفه فعلاً معرفياً، بل نُفكك شروطه، وسياقه، وحدوده الأخلاقية. نسأل: هل يمكن استخدام الإعلام كأداة لتفكيك الخطاب الصهيوني؟ أم أن الإعلام، حين يُدار من خارج الوجدان الفلسطيني، يُصبح أداة لإعادة إنتاج الاحتلال؟ هل يمكن للمثقف أن يُمارس النقد من داخل المنظومة، دون أن يُصبح جزءًا منها؟ وهل يُمكن للوعي أن ينجو من التواطؤ، حين يُحاور من يُنكر حقه في الأرض، والكرامة، والوجود؟

هذه الأسئلة لا تُطرح في فراغ، بل في سياق دمٍ يُسال يومياً في غزة، وتهويدٍ يُبتلع في القدس، وحصارٍ يُخنق في الضفة، ونكبةٍ مستمرة منذ أكثر من سبعة عقود. فحين يُقتل الأطفال، وتُهدم البيوت، وتُحاصر المدن، يصبح كل ظهور إعلامي، وكل كلمة، وكل منصة، جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد مساحة للنقاش.

لأن فلسطين، في النهاية، ليست موضوعاً للجدال، بل قضية للانحياز. والمثقف، حين يُراوغ، يُخسر الكلمة. وحين يُساوي بين القاتل والمقتول، يُخسر المعنى. وحين يُحاور دون مساءلة، يُخسر الموقف.

المثقف في مرمى التطبيع: هل يمكن فصل النقد عن الاحتلال؟

لقد باتت اللقاءات الإعلامية بين مثقفين عرب وشخصيات إسرائيلية “ناقدة” تُثير جدلاً متصاعداً: هل هي محاولة لفهم الداخل الإسرائيلي وتفكيك خطابه؟ أم أنها تُعيد إنتاج صورة الاحتلال بوصفه قابلاً للنقاش، لا بوصفه جريمة؟ هل يُمكن فصل النقد عن البنية الاستعمارية التي تُنتجه؟ وهل يُمكن استخدام الإعلام كأداة مقاومة، أم أن المنصة تُحدّد طبيعة الرسالة، مهما كانت النوايا؟

في هذه القراءة، نحاول أن نُقارب هذا التوتر، لا لنُدين أو نُبرّئ، بل لنُفكك. لأن المثقف، حين يُحاور، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي. وحين يُطلّ عبر منصة تُشرعن الاحتلال، فإن السؤال لا يكون فقط: ماذا قال؟ بل: أين قاله؟ ولماذا؟ ولمن؟

في لقاء مثير للجدل، أجرى الكاتب والإعلامي الفلسطيني “عصمت منصور” حواراً مع “أبراهام بورغ” الرئيس الأسبق للكنيست الإسرائيلي، عبر “بودكاست” بعنوان “ما بعد السابع” على منصة العربية والحدث. بورغ، المعروف بمواقفه النقدية، قال إن “لا شيء يبرر جريمة حماس ولا جرائم إسرائيل في غزة”. عصمت منصور، الذي يُقدّم نفسه كخبير في الشأن الإسرائيلي، أدار الحوار بلغة تحليلية، وطرح أسئلة تتعلق بالمسؤولية السياسية، وبأزمة الهوية داخل إسرائيل، وبمستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وبورغ من جهته، قدّم مواقف نقدية، في محاولة لموازنة الخطاب، لكنه يساوي بين الضحية والجلاد، بين المقاومة والاحتلال، بين من يُدافع عن أرضه، ومن يُقصفه بالطائرات.

اللقاء بدا وكأنه يُحاول أن يُقدّم “صوتاً إسرائيلياً مختلفاً، لكنه في السياق الإعلامي العربي، وخاصة عبر منصة تُتهم بالترويج للبروباغندا الإسرائيلية، بدا وكأنه تطبيع رمزي، يُعيد إنتاج صورة “الإسرائيلي الطيب”، ويُفرّغ القضية من بعدها الاستعماري.

من هو بورغ؟ ولماذا يُثير الجدل؟

أبراهام بورغ ليس شخصية إسرائيلية تقليدية. فهو من أبرز من انتقدوا السياسات العنصرية داخل إسرائيل، وكتب في مؤلفاته عن أزمة الهوية اليهودية، وعن فشل المشروع الصهيوني في إنتاج دولة ديمقراطية حقيقية. في كتابه “الانتصار على هتلر” يُقارن بين العقلية الأمنية الإسرائيلية والعقلية الفاشية، ويُحذّر من تحوّل إسرائيل إلى دولة أبرتهايد. لكن رغم هذه المواقف، يبقى بورغ جزءًا من المنظومة السياسية التي أسّست الاحتلال، وشارك في مؤسساتها، وكان رئيساً للكنيست، أي في قلب السلطة التشريعية التي شرّعت الاستيطان والحصار.

اللقاء أثار حدلاً واسعاً، وموجة انتقادات خاصة من حركة المقاطعة (BDS)، التي اعتبرته تطبيعاً إعلامياً مرفوضاً، فحتى لو كان بورغ ناقداً، فإنه يبقى جزءًا من المنظومة الصهيونية، وقد شغل منصباً تشريعياً في دولة الاحتلال، وشارك في شرعنة سياساتها، وإن اختلف لاحقًا مع توجهاتها. اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل أصدرت بياناً أدانت فيه اللقاء، معتبرة أن بورغ، رغم مواقفه النقدية، يبقى جزءًا من المنظومة الصهيونية التي شاركت في التهجير والاستعمار. وُجّهت انتقادات لعصمت منصور بسبب ظهوره على منصات إعلامية تُتهم بالترويج للبروباغندا الإسرائيلية، مثل العربية والحدث، واعتُبر اللقاء محاولة لتلميع رموز إسرائيلية أمام الرأي العام العربي.

الانتقادات التي وُجّهت لعصمت منصور لم تكن فقط سياسية، بل أخلاقية وثقافية. اعتبر اللقاء خرقاً لمعايير المقاطعة الثقافية، ووسيلة لتبييض وجه الاحتلال عبر شخصيات “نقدية” تُستخدم لتجميل الصورة. كما اعتبر مثقفون فلسطينيون أن اللقاء يُعيد إنتاج خطاب “الحياد الأخلاقي”، الذي يُساوي بين المقاومة والاحتلال، ويُفرّغ النضال الفلسطيني من شرعيته التاريخية.

لكن في المقابل، دافع البعض عن اللقاء بوصفه محاولة لفهم الداخل الإسرائيلي، ولتفكيك الخطاب من داخل بنيته، خاصة أن بورغ يُمثّل تيارًا نقديًا نادرًا في إسرائيل، ويُقدّم مواقف تُدين الاحتلال وتُشكّك في شرعية الدولة الصهيونية.

هل يمكن للمثقفين والإعلاميين الفلسطينيين والعرب محاورة شخصيات إسرائيلية نقدية دون الوقوع في فخ التطبيع؟

هذا السؤال لا يخص عصمت منصور وحده، بل يخص كل مثقف عربي يُحاول أن يُقارب القضية الفلسطينية من موقع التحليل، لا من موقع الشعارات. هل يمكن أن نُحاور الإسرائيليين النقديين دون أن نُشرعن وجودهم؟ هل يمكن أن نُفكك خطابهم دون أن نُجمّله؟ هل يمكن أن نُستخدم المنصة الإعلامية دون أن تُستخدمنا؟

الإجابة ليست سهلة. لأن الإعلام لا يُعبّر فقط عن المعلومة، بل يُنتج المعنى، ويُعيد تشكيل الوعي. وحين يُعرض الإسرائيلي بوصفه “ناقدًا”، دون تفكيك موقعه البنيوي في منظومة الاحتلال، فإننا نُخاطر بتحويل النقد إلى تبرئة، والمساءلة إلى تلميع.

عصمت منصور يُمثّل نموذجاً مركّباً: فهو أسير محرّر كتب عن تجربة السجن، وباحث يُترجم الصحافة العبرية ويُحلّل الداخل الإسرائيلي، وإعلامي يُطلّ عبر منصات خليجية تُتهم بالتطبيع.

هذا التداخل يُنتج توتراً دائماً بين الالتزام الأخلاقي، والتحليل السياسي، وبين الذاكرة النضالية، والمنصة الإعلامية. وهو توتر لا يُمكن حسمه بسهولة، لكنه يُحتّم على المثقف أن يُعيد مساءلة أدواته، ومنصاته، وخطابه، وأن يُدرك أن التحليل لا يُعفي من المسؤولية الأخلاقية، وأن المنصة تُشكّل الرسالة بقدر ما يُشكّلها المحتوى.

هل يُمكن استخدام الإعلام كأداة لتفكيك الخطاب الصهيوني، أم أن مجرد المنصة يُحدّد طبيعة الرسالة؟

في زمن تتسارع فيه محاولات تبييض وجه الاحتلال، وتُعاد فيه صياغة المفاهيم تحت ضغط التطبيع السياسي والإعلامي، يُطرح سؤال أخلاقي وفكري بالغ الحساسية: هل يمكن للمثقف أو الإعلامي الفلسطيني والعربي أن يُحاور شخصية إسرائيلية نقدية دون أن يُشرعن وجودها؟ دون أن يُجمّل خطابها؟ دون أن يُستخدم كأداة في لعبة رمزية تُعيد إنتاج الاحتلال بلغة ناعمة؟

هذا السؤال لا يُطرح في فراغ، بل في سياق دمٍ يُسال يومياً في غزة، وتهويدٍ يُبتلع في القدس، وحصارٍ يُخنق في الضفة، ونكبةٍ مستمرة منذ 1948. فحين يُقتل الأطفال، وتُقصف البيوت، وتُحاصر المدن، يصبح كل ظهور إعلامي، وكل كلمة، وكل منصة، جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد مساحة للنقاش.

الإعلام كمنصة: من التفكيك إلى التواطؤ

الإعلام ليس مجرد ناقل للمعلومة، بل مُنتِج للمعنى، ومُعيد تشكيل الوعي، ومُهندس للسياق الذي تُفهم فيه القضايا. فهو لا يُقدّم فقط “ما حدث”، بل يُحدّد “كيف نراه”، و”من نصدّقه”، و”ما الذي يُقال وما الذي يُسكت عنه”. وحين يُستضاف الإسرائيلي “الناقد”، أو “المعتدل”، أو “المفكر”، فإن ما يُعاد إنتاجه ليس فقط رأيه، بل شرعيته الرمزية، وموقعه في المشهد، وصورته أمام الجمهور العربي بوصفه “طرفاً قابلاً للحوار”، لا جزءًا من منظومة استعمارية.

هذا التحوّل ليس تفصيلياً، بل جوهرياً. فالإعلام، حين يُقدّم الاحتلال بلغة تحليلية محايدة، يُعيد إنتاج الجريمة بوصفها “نزاعاً”، ويُفرّغ المقاومة من معناها، ويُساوي بين القاتل والمقتول، تحت ذريعة “الموضوعية”. وحين يُستضاف رموز المؤسسة الإسرائيلية، حتى لو بدوا نقديين، فإن مجرد ظهورهم يُعيد إنتاج صورة الاحتلال بوصفه قابلاً للنقاش، لا بوصفه جريمة مستمرة.

المنصة الإعلامية، في هذه الحالة، لا تُفكك الخطاب الصهيوني، بل تُعيد إنتاجه بلغة ناعمة، تُراوغ بدل أن تُدين، وتُحلّل بدل أن تُنحاز، وتُوازن بدل أن تُفضح. وهنا يتحوّل الإعلام من أداة مقاومة إلى أداة تواطؤ، ومن مساحة للتفكيك إلى مساحة للتطبيع الرمزي، حيث يُصبح “الاختلاف الإسرائيلي” غطاءً لتبييض وجه الاحتلال، ويُصبح “النقد الداخلي” وسيلة لتخفيف وطأة الجريمة.

إن الإعلام، حين يُفقد البوصلة الأخلاقية، يُصبح أخطر من الرصاصة. لأنه لا يُقتل الجسد، بل يُعيد تشكيل الوعي، ويُعيد بناء الذاكرة، ويُعيد صياغة فلسطين بوصفها ملفاً قابلًا للتفاوض، لا قضية للانحياز.

لهذا، فإن كل ظهور إعلامي، وكل استضافة، وكل منصة، يجب أن تُخضع للمساءلة: هل تُخدم القضية؟ أم تُخدم صورة الاحتلال؟ هل تُعيد بناء الوعي؟ أم تُعيد تشكيله وفقاً لمعادلات القوة؟ هل تُنحاز للحق؟ أم تُراوغ باسم التوازن؟

لأن الإعلام، في النهاية، ليس مرآةً لما يحدث، بل عدسة تُحدّد كيف نراه. والمثقف، حين يُطلّ عبرها، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويُحدّد موقعه من الدم، ومن التاريخ، ومن فلسطين.

المثقف الفلسطيني: بين الالتزام والتحليل

المثقف الفلسطيني يعيش مأزقاً مركّبًاً من جهة، هو مطالب بأن يُحلّل، ويُفكك، ويُفهم العدو من الداخل. ومن جهة أخرى، هو محكوم بذاكرة نضالية، وبمسؤولية أخلاقية، وبدمٍ لم يجف بعد.

هل يمكن أن يُحاور الإسرائيلي النقدي دون أن يُستخدم؟ هل يمكن أن يُفكك الخطاب الصهيوني دون أن يُجمّله؟ هل يمكن أن يُطلّ عبر منصة تُروّج للتطبيع دون أن يُصبح جزءًا منها؟

كما يُشير ميثاق مواجهة التطبيع الإعلامي الصادر عن منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال، فإن مجرد الظهور على منصة تُشرعن الاحتلال، أو استضافة شخصية إسرائيلية، يُعد خرقاً أخلاقياً، حتى لو كان بهدف النقد أو التفكيك. فالمنصة تُشكّل الرسالة بقدر ما يُشكّلها المحتوى، والإعلام لا يُعفي من المسؤولية، بل يُضاعفها.

التطبيع لم يعد فقط توقيع اتفاقيات، بل أصبح رمزاً ناعماً يُعاد إنتاجه عبر الإعلام، والثقافة، والفن، والحوارات. حين يُستضاف الإسرائيلي “المعتدل”، يُعاد تقديم الاحتلال بوصفه قابلاً للنقاش، لا بوصفه جريمة. وحين يُقال إن “الطرفين أخطأوا”، يُعاد إنتاج المساواة بين القاتل والمقتول، بين من يملك الطائرات، ومن يملك الحجارة.

كما يُحذّر إعلاميون عرب في ملتقى مناهضة التطبيع الإعلامي، فإن الإعلام العربي بات يُستخدم لترويج صور تُؤلم الشعب الفلسطيني، وتُضعف الإيمان بقضيته، وتُعيد صياغة الوعي وفقاً لسياسات لا تُعبّر عن نبض الناس.

فلسطين ليست موضوعًا للنقاش.. بل قضية للانحياز

في الوقت الذي يُعاد فيه تشكيل المفاهيم، وتُختزل القضايا في لغة “الحياد” و”التوازن”، يجب أن يُقال بوضوح: فلسطين ليست موضوعاً للنقاش، بل قضية للانحياز. ليست ملفاً سياسياً يُدار في غرف مغلقة، بل جرحاً مفتوحاً في الوجدان العربي، وامتحاناً أخلاقياً دائماً لكل من يكتب، ويُحلّل، ويُحاور، ويُطلّ عبر المنصات.

حين يُقتل الأطفال في غزة، لا يكون الحياد موقفاً، بل خيانة. وحين تُهدم البيوت في رفح، لا يكون التوازن فضيلة، بل تواطؤًا. وحين تُحاصر القدس، لا يكون الحوار مع رموز الاحتلال فعلاً معرفياً بريئاً، بل فعلاً سياسياً يُعيد إنتاج الجريمة بلغة ناعمة.

المثقف الفلسطيني والعربي لا يُطلب منه أن يُحاور فقط، بل أن يُنحاز. أن يُنحاز للحق، للكرامة، للحرية، ولدمٍ لم يجف بعد. أن يُدرك أن الكلمة، حين تُقال، تُصبح موقفاً، وأن المنصة حين تُستخدم تُصبح رسالة. وأن الخطاب حين يُراوغ، يُخسر المعنى، ويُخسر القضية.

فلسطين لا تُحرّر فقط بالبندقية، بل بالكلمة التي لا تُساوم، وبالمنصة التي لا تُراوغ، وبالخطاب الذي لا يُجمّل الجريمة. فلسطين تُحرّر حين يُقال إن الاحتلال ليس طرفاً في نزاع، بل هو جريمة مستمرة. حين يُقال إن المقاومة ليست خطأً، بل حقاً مشروعاً. حين يُقال إن الحياد في زمن المجازر ليس فضيلة، بل سقوط أخلاقي.

المثقف، حين يُساوي بين القاتل والمقتول، يُخسر الكلمة. وحين يُحاور دون مساءلة، يُخسر الموقف. وحين يُراوغ باسم التحليل، يُخسر المعنى.

في النهاية، فلسطين ليست موضوعاً حيادياً، بل قضية أخلاقية، وإنسانية، وتاريخية. ليست قضية خارجية، بل مرآة للضمير. ومن لا يرى فيها قضية للانحياز، لا يرى نفسه، ولا يرى شعبه، ولا يرى التاريخ. وحين يُقتل الأطفال في غزة، وتُهدم البيوت في رفح، وتُحاصر القدس، فإن كل حوار مع الاحتلال، حتى لو كان نقدياً، يجب أن يُخضع للمساءلة: هل يُخدم القضية؟ أم يُخدم صورة الاحتلال؟ هل يُفكك الخطاب؟ أم يُعيد إنتاجه؟ هل يُنحاز للدم؟ أم يُراوغ باسم التوازن والموضوعية؟ هل يُعيد بناء الوعي؟ أم يُعيد تشكيله وفقاً لمعادلات القوة؟

الإعلام المقاوم: هل من بديل؟

لكن هذا لا يعني الانغلاق أو الانعزال، ولا يُفترض أن يُحوّل المثقف أو الإعلامي الفلسطيني والعربي إلى كائن يرفض الحوار أو يُغلق أبواب المعرفة. بل يعني أن عليه أن يُعيد تعريف أدواته، وأن يُدرك أن الإعلام ليس ساحةً محايدة، بل ميداناً للصراع الرمزي، حيث تُصاغ المفاهيم، وتُعاد كتابة التاريخ، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي.

الإعلام المقاوم لا يُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرته على إنتاج خطاب يُفكك الاحتلال دون أن يُشرعنه، ويُخاطب الداخل الإسرائيلي دون أن يُجمّل صورته، ويُعيد بناء السردية الفلسطينية من موقع القوة الأخلاقية، لا من موقع التوازن الزائف.

يمكن للإعلام أن يكون أداة مقاومة فعّالة، حين يُنتج محتوى يُفضح الجرائم، ويُعرّي البنية الاستعمارية، ويُفكك اللغة التي تُستخدم لتبرير القتل، والحصار، والتهويد. حين يُعيد الاعتبار للضحايا، لا يُساويهم بالجلادين. حين يُنحاز للحق، لا يُراوغ باسم التحليل. حين يُعيد بناء الذاكرة، لا يُعيد إنتاج النسيان.

لكن هذا يتطلّب شروطاً واضحة: اولاً: استقلالاً في المنصة: لأن المنصة ليست مجرد وسيلة، بل سياق يُشكّل الرسالة. الإعلام المقاوم لا يُمكن أن يُبث من داخل مؤسسات تُروّج للتطبيع، أو تُعيد إنتاج الرواية الصهيونية بلغة ناعمة. ثانياً: وضوحاً في الموقف: لأن الغموض في القضايا الأخلاقية ليس ذكاءً، بل تواطؤ. يجب أن يُقال بوضوح: الاحتلال جريمة، والمقاومة حق، والحياد خيانة. ثالثاً: وعياً بأن كل ظهور إعلامي هو موقف: لأن الكلمة، حين تُقال، تُصبح سلاحاً. والمثقف، حين يُطلّ، يُعيد تشكيل الوعي، ويُحدّد موقعه من الدم، ومن التاريخ، ومن فلسطين.

الإعلام المقاوم لا يُراوغ، بل يُواجه. لا يُوازن، بل يُدين. لا يُحلّل فقط، بل يُنحاز.

وهو لا يُغلق باب الحوار، بل يُحدّد شروطه الأخلاقية: أن يكون الحوار أداة تفكيك، لا تلميع. أن يكون اللقاء مساءلة، لا تبرئة. أن يكون الصوت الفلسطيني هو المركز، لا الهامش.

لأن فلسطين، في النهاية، لا تحتاج إلى إعلام يُراوغ، بل إلى إعلام يُضيء. لا تحتاج إلى منصات تُساوي بين القاتل والمقتول، بل إلى منصات تُعيد بناء الوعي، وتُعيد الاعتبار للحق، وتُعيد صياغة التاريخ من موقع الضحية التي تُقاوم، لا من موقع الجلاد الذي يُبرّر.

ختاماً: المثقف العربي أمام اختبار التطبيع: جدلية الحوار والرفض

في زمنٍ يُعاد فيه تشكيل الوعي العربي تحت ضغط التطبيع، لا يعود السؤال عن الحوار مع الإسرائيليين “النقديين” مجرد جدل ثقافي، بل يصبح اختباراً أخلاقياً للمثقف، وللإعلامي، ولمن يُمسك بالكلمة في وجه آلة القتل. فحين يُقصف الفلسطينيون في غزة، وتُحاصر مدنهم، وتُهدم بيوتهم، لا يكون الحياد موقفاً، بل تواطؤًا. ولا يكون الحوار مع رموز الاحتلال، مهما بدوا “مختلفين”، فعلاً معرفياً بريئاً، بل فعلاً سياسياً يُعيد إنتاج صورة الجلاد بلغة ناعمة.

المثقف، حين يُحاور، لا يُعبّر فقط عن رأيه، بل يُعيد تشكيل الوعي. وحين يُطلّ عبر منصة تُشرعن الاحتلال، فإن مجرد ظهوره يُصبح جزءًا من الرسالة، مهما كانت نواياه. فالمنصة تُحدّد السياق، والسياق يُعيد تشكيل المعنى، والمعنى يُعيد إنتاج الموقف.

إن تفكيك الخطاب الصهيوني لا يتم عبر تلميع رموزه، بل عبر فضح بنيته، وتعرية منطقه، ومساءلة لغته. وإن مقاومة الاحتلال لا تكون فقط بالبندقية، بل بالكلمة التي لا تُساوم، وبالمنصة التي لا تُراوغ، وبالخطاب الذي لا يُساوي بين القاتل والمقتول.

فلسطين ليست موضوعًا للنقاش، بل قضية للانحياز. والمثقف، حين يُراوغ، يُخسر الكلمة. وحين يُساوي بين المقاومة والاحتلال، يُخسر المعنى. وحين يُحاور دون مساءلة، يُخسر الموقف.

في زمن الدم، لا حياد. وفي زمن الحصار، لا تجميل. وفي زمن النكبة المستمرة، لا مكان لمن يُعيد إنتاج الاحتلال بلغة التحليل. لأن فلسطين، في النهاية، لا تُحرّر فقط بالسلاح، بل بالكلمة التي تعرف أين تقف، ومع من، ولماذا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى