من يملك القرار, ومن يدفع الثمن حين يتحول المنصب إلى حصنٍ ضد الحق

من يملك #القرار, ومن يدفع #الثمن حين يتحول #المنصب إلى #حصن ضد #الحق

بقلم : المهندس محمود “محمد خير” عبيد

على مرّ التاريخ، وفي أغلب العصور والدول، تتكرر الحكاية ذاتها وإن تغيّرت الوجوه والمسميات؛ حكاية سلطة تتنصّل من قراراتها، وقيادات تتبرأ من سياساتها، وإدارات تتخفّى خلف الهياكل واللجان، بينما يُترك العبء كاملًا على كاهل من لا يملك سوى عمله وكرامته. فالقرار يُصاغ في الأعلى، ويُوقّع في الأعلى، لكن حين تظهر نتائجه الكارثية، لا يُسأل من اتخذه، بل يُستدعى من نُفِّذ عليه، وكأن الخطأ وُلد يتيمًا بلا أب.

في منطق العدالة السليم، تكون المساءلة بقدر المسؤولية، وتبدأ من القمة قبل القاعدة، لأن من يملك سلطة القرار يملك بالضرورة وزر نتائجه. لكن في عالم المصالح المختل، تنقلب المعادلة، فتُحصّن المناصب، وتُفرش الأعذار للكبار، وتُترك الصدور العارية للصغار. هناك، لا يُسأل من أخطأ، بل يُبحث عمّن يمكن التضحية به بأقل الخسائر السياسية والإدارية، فيتحول الموظف البسيط أو المواطن العادي إلى ضحية جاهزة، تُلقى عليه الأوزار ليبقى أصحاب القرار خارج دائرة الضوء.

وإذا عدنا إلى صفحات التاريخ، وجدنا أن سقوط الدول لم يكن في جوهره نتيجة ضعف الشعوب، بل كثيرًا ما كان ثمرة خيانات فردية ارتكبها أصحاب قرار باعوا أوطانهم مقابل مكاسب زائلة. كم من دولة استُعمِرت لأن قرارًا خائنًا فُتح له الباب، وكم من أمة هُزمت لأن يدًا في القمة ارتجفت طمعًا أو خضعت خوفًا. في كل مرة، كانت الشعوب هي من تدفع الأوزار، تُسلب حريتها ويُنهب مستقبلها، بينما عاش أصحاب تلك القرارات في نعيم، وقبضوا ثمن خياناتهم مالًا وسلطانًا، وتركوا خلفهم أوطانًا مكسورة ومجتمعات مثقلة بالجراح.

هكذا يخطئ الكبار بالسياسات، ويخون بعضهم بالقرارات، ويدفع الصغار الثمن من أرزاقهم وأمنهم واستقرارهم، ويصنع أصحاب المكاتب المكيّفة الأزمات، ثم يُستدعى من لا يملك سلطة ولا توقيعًا إلى غرف التحقيق، لا لكونه مذنبًا، بل لأنه الأضعف. وعند هذه النقطة، لا نكون أمام إدارة، بل أمام هروب منظّم من المسؤولية، وأمام منظومة تتقن النجاة لا العدالة.

ومنذ فجر التاريخ، عرفت البشرية فكرة كبش الفداء، ذاك الذي يُضحّى به ليُغفر للجماعة، لكن المأساة الحديثة أن الكبش لم يعد حيوانًا، بل إنسانًا يؤدي عمله بضمير، أو موظفًا صغيرًا التزم التعليمات، أو مواطنًا وجد نفسه في مرمى قرارات لم يُستشر فيها. يُحمَّل الخطأ، ويُساق إلى المحاسبة، بينما يخرج من قرر ومن تجاهل ومن وقّع نظيفي الأيدي في نظر النظام، وإن كانت أيديهم مثقلة في ميزان الحق.

وقد قال الله تعالى, ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أُخرى﴾، غير أن هذه القاعدة الأخلاقية العظمى تُنتهك كل يوم في إدارات فقدت بوصلتها، حيث يحمل الضعيف أوزار القوي، وتُقاس العدالة بحجم النفوذ لا بحجم الفعل، ويُدان من لا يملك حماية، ويُبرّأ من لا يُمس.

وحين يُضحّى بالموظف البسيط أو المواطن، لا يُدمَّر شخص واحد فحسب، بل تُهدم منظومة كاملة من القيم، إذ تُكسر الثقة بين الفرد والمؤسسة، ويُقتل الإخلاص في النفوس، ويُدفن الاجتهاد حيًا، ويتعلم الجميع درسًا مريرًا مفاده أن العمل بضمير خطر، وأن الحذر أولى من الصدق. عندها تبدأ المؤسسات بالموت من الداخل، حتى وإن بدت ناجحة في التقارير والبيانات.

وهنا يفرض الواقع سؤاله الأشد قسوة, متى سنستيقظ؟ ومتى سنملك الشجاعة لنواجه المخطئ باسمه، ونقول للخطأ إنه خطأ دون مواربة أو خوف؟ متى سننتصر لأنفسنا، أم أننا اعتدنا أن نُقنع أنفسنا بأننا الحلقة الأضعف، بينما الحقيقة أننا الحلقة الأقوى عددًا وإرادة؟ كيف يمكن لآلاف من المتنفذين أن يتاجروا بمستقبل شعوب تُعدّ بالملايين، وأن يختطفوا الأوطان لحساب مصالح ضيقة، ثم يظنون أن الجدران العالية والقصور العاجية ستحميهم من الحساب؟

إن الشعوب كانت وما زالت وستبقى في نظر كثير من أصحاب القرار الحلقة الأضعف التي يمكن التضحية بها بلا تردّد، لكنها في ميزان السماء الحلقة الأقوى، لأن الحساب هناك لا يطال من لا يملك القرار، بل يقف طويلًا عند أبواب من امتلكوه. إن عدالة السماء قد تتأخر، لكنها لا تغيب، وستأتي يومًا على كل متجبر، وعلى كل من تاجر بحقوق الشعوب وباع كرامة الأوطان، يوم لا تنفع المناصب ولا الألقاب، ولا تشفع الحصانات ولا الأبواب المغلقة، يوم يُسأل صاحب القرار عن كل نفس أُزهقت، وكل دمعة سُكبت، وكل وطن تَصدّع بسبب إهماله أو خيانته، كما قيل: «فكل راعٍ مسؤول عن رعيته».

إن الأمم لا تسقط حين يخطئ كبارها، فكل البشر يخطئون، لكنها تسقط حين يُعفى الكبار من المحاسبة، وحين تُستخدم ظهور الضعفاء لتغطية فشل من في الأعلى. وإن أردنا إدارة عادلة، فلا بد أن تبدأ المحاسبة من القمة، وإن أردنا مجتمعًا سليمًا، فعلينا أن نكسر عادة ذبح الأبرياء على مذبح المناصب، لأن العدل الحقيقي ليس في معاقبة من لا يملك القوة، بل في امتلاك الشجاعة لمحاسبة من يملكها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى