من ماجدولين* إلى المنفلوطي / د. مي بكليزي

من #ماجدولين* إلى #المنفلوطي

د. #مي_بكليزي

ما غرك بنا لتكتب عنا رحلة شقائنا؟
وهل نال منك الفضول لتحرك مشاعرنا الميتة حسرة والما على ما فاتنا من تحقيق الأحلام ونيل المرام؟
هو السراب إذا يعترضنا في كل مرة
نحاول فيها لملمة الأوجاع وسحقها تحت أقدامنا؛ لنبني منها جسرا أو سلما تغذوه محاولاتنا للنجاح.
أنت تعلم قوة الحب ووهج القلب عندما يعشق بصدق، يُعمي العيون عن الالتفات لغير المحبوب، لا يبصر حينها إلا لقلب المحب، ولا يسمع إلا لدقات قلبه الدالة عليه؟
هل ستكتب للأجيال عنا خيانتنا للصحبة والحبيب والعهود والمواثيق؟
وهل ستتجنب اتهامنا بالكفر والمعصية لأننا حكمنا على أنفسنا بالموت؟
أم ستشهر سيفك الحاد في عقول أبناء جلدتكم لإنكار هذا المصير الذي اختطه بؤسنا الناشز عن الواقع؟ والصراط القويم لا تأنس النفس إلا بمن يقاسمها عمق روحها، وبهاء جلوّها بلقاء من تحب فالأرواح قناديل معلقة في سماء النفوس، تستطيب وتلتفت لمن يُستطاب ويُلتفت لها.
باذلة في ذلك وسع الحاجة لتحقيق ذاتها وإمتاع نفسها بلقاء من تحب وتهوى
إيييه يا منفلوطي!
لقد نكأت جرحا غائرا أنى له الاندمال!
وسطوت على مشاعرَ كانت لو كتب لها الزهو لأمتعت وأينعت وأنبتت قصصا من الوفاء والإيثار والسعادة.
ليتك جئت تجمع معنا غلال الفرح وحصاد الوفاء! ليتك غنمت معنا مغانمنا؛ لقاسمناك إياها في أوّل بيدر للحصاد وأوّل ترنيمة للحب تسجّى في محاريب الرباط الوثيق.
إلا أنك جئت لتشهد جنائز لأناس قتلوا أنفسهم رغم كل تلك الآمال التي نسجوها لتتحقق في نهاية الطريق؛ الطريق الذي أرجسه من سمّوا أنفسهم أصدقاء وظلوا واقفين على قارعة الطريق يعرقلون صفاء النفس وغفوة الغثيان من الحب، فامتشقوا سيوف غدرهم وزرعوها في قلوب طاهرة كادت أن تحلق في معبد النقاء والصفاء لولا لوثة المال التي جُن بها سطحيو النظرة وقشريو الحقيقة لم يغزلوا على منوال الروح فلا منوال لهم ولم يعزفوا قيثارة خلود القلوب فلا قيثارة لديهم إلا قيثارة الشيطان يغني أهزوجة الفراق المميت
لعل حال لسانك يقول:
جئتَ متأخرا أيها الفرح
جئت بعد فوات الأوان
فخاتم شَعرِك يا استيفن استبدله صديقك الذي بذلت له دماءك خاتما حقيقيا في يد ماجدولين.
ماجدولين الشقية البائسة التي لم تدرك قيمة الحب إلا بعد فوات الفوت وانتقام الحقيقة من الزيف الماثل في عبادة المال!
من استيفن إلى المنفلوطي
هل ترى من المنصف لنا تقاسم دور البطولة أنا وماجدولين؟!
هل يستوي اللذين يخونون واللذين لا يخونون؟
تلك مأساة حقيقية؛ أن يسود الخائن على من كان صنوه في يوم من الأيام وكان له مرتعا للراحة والصفو والسلام.
هل تدرك معنى أن يخون الصديق صديقه؟
هل تعلم معنى أن تخون الحبيبة من كان يعليها على رأس القوم؟؟
ويبسط لها من راحة يديه دنيا تسعدها وتهنأ بها على حساب راحته وانبساطه
ياااه…
هل ذقت مرارة الفقد؟
واضطرام نيران الهجر في القلب كاشتعال النار في الهشيم.
لا تبقي ولا تذر سعادة ولا طاقة للحياة فيه.
أظنك تكاد ترى دموعي تنسكب عبر كلماتي
وأظنك تكاد تسمع حشرجة صوتي وأنا أتكلم الآن.
هل تدرك معنى انمحاق الضوء في العين؟ وذر التراب مكانه أفقا للنظر؟
لقد مللت من اعتلاء منبر المثل والأخلاق، الذي يقاسمني في صعودي نحوه الشيطان هاتفا بالمال تارة ومقسما به تارة أخرى.
ولكن قل لي بصدق، هل يسود المال فعلا علينا؟
نحن المتمسكون بالفضيلة!
أم إنها جولة تردفها جولات للحق والخير حتما سيكون منتصرا فيها وعليها؟
رأيتها وهي تبكي وتتوسل رجوعي لها
لا أخفيك لقد كانت كل ذرة في كياني تطلبها وترجوها وتناديها أن هيت لكِ
أن تعاليْ نعيد ماضيا فائتا ونحقق وعدا منجزا.
كل ما فيّ مقبل عليها هائمُ بها يناديها ويهلل لها.. لكن!
وعند لحظة الحقيقة
لحظة الربح والخسارة لاستيفن
اخترته…
نعم اخترت استيفن!
على من تركته!
وخانته!
وأهملته!
اخترت صوتي ليعلوَ على صوتها
وقلبي ليخفقَ مكان قلبها
لا صوت اليوم أعلى من صوت الجرح في داخلي
والخيبة في أعماقي.
لا نصير لاستيفن اليوم
إلا استيفن نفسه
ولا معين لقبضته المعتصرة قلبه على من يحب
لألا ينفد إلى روحه!
إلا قبضة استيفن نفسها
لكني أدركت بعد زهدي بها
وقرارها المهين إنهاء حياتها
أنها ما تزال هناك
قابعةً في ثنايا الروح أنّا لها الزوال
أدركت أنها عالقة في حشاشة القلب
هناك حيث اسمها ينطق عند كل نبضة.
وعند كل غفوة للعين وانفراجتها
هناك حيث تكمن الحقيقة
لا غش ولا مواراة لحقيقة الشعور.

*ماجدولين هي رواية من الأدب الرومانسي للكاتب ألفونس كار عرَّبها الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي. وهي قصة تقرأ من صفحات الحياة المؤثرة نسجها ألفونس كار فأبدع تعريبها مصطفى المنفلوطي ليطلع القارئ العربي على هذا العمل الذي يجمع بين سمتي الأدب العالمي والأدب الغربي، والأدب العربي بعباراته ومعانيه المعبرة وذلك من خلال أسلوب المنفلوطي.

مقالات ذات صلة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى