من الفعل الطقسي إلى المعنى الوجودي

من #الفعل_الطقسي إلى #المعنى_الوجودي

كتبت #شيرين_قسوس

ليست العبادات في أصلها الأول مجرّد أفعال متكرّرة تُؤدّى في أوقات محدّدة، ولا حركات جسدية تُستكمل بشروط شكلية، بل هي قبل ذلك محاولة إنسانية عميقة لربط المحدود بالمطلق، والزائل بالأبدي، والقلق الوجودي بالمعنى. غير أنّ التاريخ الديني، كما التاريخ الإنساني عمومًا، يكشف لنا مفارقة لافتة: فكلّما تقدّمت العبادات في الزمن، تراجعت أحيانًا في المعنى، وتحجّر الجوهر تحت ثقل الطقس.
في أصل العبادة، لا نجد نظامًا صارمًا بقدر ما نجد نداءً داخليًا. العبادة الأولى كانت دهشة أمام الكون، وخشية أمام المجهول، وشعورًا أخلاقيًا بأن للحياة نظامًا أسمى ينبغي احترامه. كانت العبادة، بهذا المعنى، موقفًا وجوديًا قبل أن تكون ممارسة شعائرية. لكن مع تشكّل المؤسسات الدينية، ومع الحاجة إلى الضبط والتقنين، تحوّل هذا النداء الحرّ إلى منظومة طقوس، وصار الخوف من الخطأ الشكلي أحيانًا أقوى من الخوف من الخيانة الأخلاقية.
المشكلة لا تكمن في الطقس ذاته، فالطقس لغة رمزية ضرورية، تُجسّد المعنى وتمنحه قابلية الاستمرار. الإشكال يبدأ حين ينفصل الرمز عن ما يرمز إليه، فيتحوّل إلى غاية مستقلة. عندها، قد نرى إنسانًا يُحسن أداء عبادته بدقة، لكنه يسيء إلى غيره بلا تردّد؛ يلتزم بالشكل، ويهمل العدل؛ يحفظ الطقوس، وينسى الرحمة. هنا تصبح العبادة مفارقة أخلاقية: فعلًا يُفترض أن يُهذّب الإنسان، لكنه يُستخدم أحيانًا لتبرير قسوته أو تفوّقه الوهمي.
إنّ أخطر ما أصاب العبادات عبر التاريخ هو تحويلها إلى هوية صلبة بدل كونها تجربة حيّة. فحين تُختزل العبادة في الانتماء، تُفرغ من بعدها التحويلي. يصبح السؤال: «هل أنت منّا؟» أهم من السؤال: «هل صرتَ أفضل؟». وهنا تفقد العبادة وظيفتها الفلسفية الكبرى: إعادة تشكيل الذات، لا تأكيدها كما هي.
من زاوية فلسفية، يمكن القول إن العبادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المرات، بل بعمق الأثر. ليست في كثافة الأداء، بل في نوعية التحوّل الذي تُحدثه في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الآخرين. العبادة التي لا تزرع في الإنسان تواضعًا، ولا توسّع وعيه، ولا تجعله أكثر حساسية للألم الإنساني، هي عبادة ناقصة، مهما بلغت دقّتها الشكلية.
كما أنّ نقد بعض الطقوس لا يعني بالضرورة رفض المقدّس، بل قد يكون محاولة لإنقاذه من الابتذال. فحين يتحوّل المقدّس إلى عادة، يفقد قدرته على الإيقاظ. وحين يُؤدّى بلا سؤال، يصبح آمنًا أكثر مما ينبغي، بينما العبادة في جوهرها فعل قلق، يهزّ الإنسان، ويضعه أمام مسؤوليته الوجودية والأخلاقية.
العودة إلى أصل العبادات لا تعني هدمها، بل إعادة شحنها بالمعنى. تعني أن نسأل: لماذا نعبد؟ لا فقط كيف نعبد. أن نرى في العبادة طريقًا إلى الإنسان قبل أن تكون طريقًا إلى السماء. فالسماء، في كثير من التصورات الفلسفية والروحية، لا تُنال بالقفز فوق الإنسان، بل بالعبور العميق داخله.
في النهاية، يمكن القول إن العبادة التي لا تُنقذ الإنسان من القسوة، ولا تحرّره من الأنانية، ولا تجعله أكثر صدقًا مع ذاته، هي عبادة لم تكتمل فلسفيًا، حتى وإن اكتملت طقسيًا. والفرق بين العبادة الحيّة والعبادة الميتة، ليس في النصّ، بل في القلب الذي يقرؤه، وفي العقل الذي يفهمه، وفي السلوك الذي يترجمه إلى حياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى