ما بعد الحرب….

ما بعد الحرب….

هبة طوالبة

تنبثق الرؤية النقدية للمشهد الإقليمي الراهن من فرضية أن الصراع (الإيراني – الإسرائيلي – الأمريكي) يتجاوز في جوهره حدود المواجهة العسكرية المباشرة ليصب في سياق “الهندسة الجيوسياسية” وإعادة ترسيم خارطة الطريق للمنطقة.

ففي العلوم السياسية، لا تهدف القوى العظمى بالضرورة إلى سحق خصومها الإقليميين، بل قد تعمد إلى الحفاظ على وجودهم كـ “ضرورة استراتيجية” وذريعة لإدامة نفوذها وتبرير تواجها العسكري ومبيعات سلاحها، وهو ما يجعلنا نقرأ الأحداث من منظور “المسرحية السياسية” المنضبطة التي تُدار خلف الكواليس في الصالونات المغلقة بعيداً عن صخب الشاشات.

لقد استُخدم الإعلام كأداة للتضليل و”قنبلة دخانية” لإشغال الوعي الجمعي العربي بمسارات صواريخ ومناوشات محسومة سلفاً، في حين كانت المطابخ السياسية تمرر تفاهمات صامتة حول ملفات حاسمة تمس جوهر الأمن القومي العربي من فلسطين إلى لبنان.

ومن هنا، يبرز التناقض الأخلاقي الصارخ في شعارات بعض القوى الإقليمية التي تستغل العاطفة الشعبية العربية الجياشة؛ فالمحلل السياسي الحصيف لا يمكنه فصل المواقف، فمن استباح الدم العربي في ساحات كالمشهد السوري لا يمكن أن يكون نصيراً حقيقياً للقضايا العربية الأخرى إلا من باب التوظيف السياسي وتبادل الأدوار.

إن ما نراه اليوم هو صراع “أوراق وضغوط” يهدف لاستنزاف المنطقة وإبقائها في حالة “اللا حرب واللا سلم”، مما يفرض علينا كدارسين للسياسة ألا ننجرف خلف الاصطفافات العاطفية، بل أن ندرك بأن التحالفات الدولية متغيرة واللاعبين الكبار قد يتحالفون غداً ويتركون من انحاز لهم في “مصيدة” التاريخ، ولذلك تظل الحكمة تقتضي أن نكون الطرف المراقب والواعي الذي لا يقبل بأن يكون وقوداً لنار يوقدها غيره ليأكل هو خبزها، فما يطبخ تحت الموقد في السياسة لا يشبه أبداً ما يُعرض فوقه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى